تدريبات الناجيات.. تمكين مهني ودعم نفسي لنساء يسعين لبداية جديدة

حجم الخط

في زوايا بيوتهن الصامتة، حيث تتراكم الأعباء على كاهل النساء السوريات، تحاول كثيرات إعادة ترتيب حياتهن من جديد، بعد تجارب قاسية تركت آثارها على تفاصيل يومهنّ. بين مسؤوليات الأسرة وضغوط الواقع المعيشي، تبحث هؤلاء النساء عن فرصة تمنحهن القدرة على الوقوف مجدداً، ليس فقط كمصدر دخل، بل كمساحة لاستعادة الثقة بالنفس والشعور بالقدرة على الاستمرار.

من هنا، تأتي تدريبات رابطة الناجيات السوريات كمحاولة لفتح نافذة أمل، تجمع بين التمكين المهني والدعم النفسي، وتمنح المستفيدات أدوات حقيقية للبدء من جديد، بخطوات صغيرة لكنها قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياتهن.

بالتعاون مع منظمة “هيومنتي” ومؤسسة “اقرأ”، أقيم في مدينة دمشق تدريب على “صناعة ورد الساتان”، استهدف مجموعة من السيدات ضمن رابطة الناجيات السوريات، في إطار سلسلة برامج تسعى إلى تمكين النساء اقتصادياً ونفسياً، وفتح آفاق جديدة أمامهن لبناء مشاريعهن الخاصة.

تقول سلام صباغ، منسقة العلاقات العامة في الرابطة، إن هذه التدريبات تأتي استجابة لحاجة متزايدة لدى النساء، لا سيما العاطلات عن العمل، لمصادر دخل مستدامة، موضحة أن التركيز ينصب على تمكين المستفيدات من إطلاق مشاريع صغيرة من داخل منازلهن، دون الحاجة إلى رأس مال كبير أو تجهيزات معقدة، بما يتيح لهن البدء بخطوات عملية وبإمكانيات محدودة.

وتشمل البرامج التدريبية مجالات مهنية متنوعة، مثل صناعة الشمع، وصناعة الإكسسوارات من اللولو والكريستال، إلى جانب الكروشيه وخيوط البافيه. وتشير صباغ إلى أن الرابطة نفذت حتى الآن ما بين ستة إلى سبعة تدريبات، مع خطط لتوسيع هذه البرامج خلال الفترة المقبلة لتشمل مهارات إضافية تلبي احتياجات السوق.

ولا تقتصر هذه المبادرات على الجانب المهني فحسب، بل تمتد لتشمل بناء قدرات النساء في مجالات مكمّلة، مثل اللغة الإنجليزية، وإدارة المشاريع، والتسويق، إذ تؤكد صباغ أن امتلاك الحرفة وحده لا يكفي، بل يتطلب النجاح القدرة على إدارة المشروع والترويج له لضمان استمراريته وتحقيق عائد مادي فعلي.

وفي سياق توسيع نطاق الاستفادة، تعمل الرابطة على إشراك نساء من مختلف المحافظات السورية، خاصة من المناطق البعيدة عن مراكز التدريب، مثل حمص ودرعا ودير الزور، حيث تواجه العديد منهن صعوبات في الوصول إلى الدورات الحضورية بسبب البعد الجغرافي وتكاليف التنقل. ولمواجهة هذه التحديات، تم اعتماد نمط التدريب عن بُعد (أونلاين) كخيار بديل، رغم محدوديته في بعض الجوانب التطبيقية.

حتى في العاصمة دمشق، لا تخلو المشاركة من التحديات، إذ تعيق تكاليف المواصلات وبعد المسافات وصول بعض النساء إلى مراكز التدريب، ما يحدّ من فرص الاستفادة الكاملة من هذه البرامج، وفق ما توضح صباغ.

وتُنفَّذ بعض الأنشطة من خلال جلسات حضورية مباشرة، خاصة في دمشق وأعزاز ، حيث بلغ عدد المستفيدات نحو 90 شابة، وشملت تدريبات على مهارات بناء القدرات، إضافة إلى أنشطة فنية مثل الرسم على الخشب، إلى جانب دورات أخرى تُقدَّم عبر الإنترنت لإتاحة المجال أمام أكبر عدد ممكن من المشاركات.

إلى جانب ذلك، تولي الرابطة اهتماماً خاصاً بالدعم النفسي، من خلال دمج أنشطة متخصصة ترافق التدريبات المهنية، بهدف تعزيز ثقة النساء بأنفسهن ومساعدتهن على تجاوز الضغوط النفسية، لا سيما لدى المتزوجات والمطلقات اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية، ما يجعل التمكين الاقتصادي جزءاً أساسياً من تحقيق الاستقرار.

وتؤكد صباغ أن هذا التكامل بين التأهيل المهني والدعم النفسي يساهم في تمكين النساء بشكل أعمق، ويمنحهن أدوات حقيقية لبناء حياة أكثر استقلالية، بعيداً عن الاعتماد الكامل على المساعدات.

تأسست رابطة الناجيات السوريات في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2021، استجابةً للحاجة إلى دعم النساء اللواتي تعرضن للاعتقال، وخلق مساحة آمنة لهن للتعافي وإعادة الاندماج في المجتمع. وانطلقت كمبادرة تطوعية في الشمال السوري، قبل أن يتم ترخيصها لاحقاً في منطقة اعزاز بريف حلب، فيما تواصل عملها حالياً داخل سوريا كمبادرة مجتمعية غير مسجلة، مع سعيها لاستكمال إجراءات الترخيص الرسمي.

ويبلغ عدد المنتسبات إلى الرابطة حالياً نحو 175 سيدة، مع وجود طلبات جديدة قيد الدراسة، في مؤشر على تزايد الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تجمع بين التمكين الاقتصادي والدعم النفسي، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها النساء في سوريا.