سوريا 24 ترصد أطلال محمية بافليون… غابة تموت ومناشدات أخيرة لإنقاذها

حجم الخط

يقف الأديب خالد أحمد جعفر على حافة أرض لم تعد كما كانت. يمرر نظره بين جذوع مقطوعة وأخرى صامدة، قبل أن يخبر مراسل سوريا 24 أن هذه “الأرض كانت غابة.. وأنها كانت مفعمة بالحياة”.

في قرية بافليون التابعة لمنطقة عفرين بريف حلب، بدأت الحكاية قبل أكثر من نصف قرن، حين قرر والده، أحمد خليل جعفر، أن يزرع ما يشبه الحلم. في مطلع ستينيات القرن الماضي، اتخذ قرارًا بدا استثنائيًا في زمنه: تحويل أرضه إلى مساحة حراجية قائمة على التنوع والاستدامة.

يضيف خالد: “لم يكن يفكر بالربح، كان يقول دائمًا: الشجرة التي تزرعها اليوم، تظلل غيرك غدًا”.

بدأ المشروع بشتول صغيرة تُزرع في أحواض خاصة، قبل أن تُنقل إلى الأرض. ومع السنوات، أخذت الأشجار تكبر، وتتشابك، وتبني نظامًا بيئيًا متكاملًا، كما لو أن المكان يعيد اختراع نفسه بهدوء.

وبجهود فردية، وبمساندة أفراد العائلة، توسعت الغابة تدريجيًا، وكان لشقيقه رمزي جعفر، المغترب بين عدة دول، دور في إدخال أنواع نادرة من الأشجار الأوروبية. يقول خالد: “كنا ننتظر الشحنات كما لو أنها كنز… كل بذرة كانت مشروع حياة”.

تنوعت الأشجار لتشمل الصنوبر بأنواعه، والأرز، والشوح، والسرو، والقطلب، والأروكاريا، إلى جانب عشرات الأنواع الأخرى. ومع هذا التنوع، بدأت الطيور المهاجرة تجد في الغابة ملاذًا.

“في مواسم الهجرة، كان الصوت يملأ المكان… لم نكن نحتاج إلى تقويم لنعرف الفصول”، يقول خالد، مستعيدًا ذاكرة لم تعد تُرى إلا في بقايا المشهد.

تحولت الأرض مع الوقت إلى محمية طبيعية مميزة، استقطبت اهتمام باحثين ووفود من دول عدة، بينها اليابان وروسيا وإسبانيا وإيطاليا. كما استفادت منها مديرية الحراج في سوريا، التي جمعت بذورًا لإعادة زراعتها في مناطق أخرى.

“كنا نشعر أن ما نفعله لم يعد يخصنا فقط”، يضيف.

وفي مرحلة لاحقة، أصبحت المحمية موقعًا تدريبيًا لطلاب كلية الزراعة في جامعة حلب. “كان الطلاب يأتون ليتعلموا من الأرض مباشرة… من الشجرة، من ظلها، ومن صبرها”، يقول خالد.

لكن هذا المشهد لم يدم، فخلال السنوات الماضية، تعرضت الغابة لعمليات قطع جائر طالت مئات الأشجار النادرة، إلى جانب الرعي الجائر الذي أضعف التربة ودمر أجزاء واسعة منها.

يصمت خالد قليلًا، ثم يقول: “ما احتاج إلى خمسين سنة لينمو… اختفى خلال سنوات قليلة”.

اليوم، لم تعد “محمية بافليون” كما كانت، فبين الأشجار التي سقطت، وتلك التي ما زالت تقاوم، يقف الرجل شاهدًا على خسارة تتجاوز حدود المكان.

“لسنا أمام خسارة عادية… هذه ذاكرة، وهذه تجربة كان يمكن أن تُعمم”، يقول، قبل أن يوجه نداءً واضحًا: “ما تبقى يمكن إنقاذه… لكن ليس بالصمت”.

في ختام حديثه، يدعو خالد جعفر وزارة الزراعة ومديرية الحراج في سوريا إلى التدخل العاجل لحماية ما تبقى من الغابة ومحاسبة المتورطين في التعديات، ويختتم حديثه بالقول: “هذه ليست غابتنا فقط… هذه ثروة للجميع”، فهو لم يفقد الأمل في إعادة هذه المحمية الطبيعية إلى الحياة، لكنه يحتاج إلى جهود المعنيين لإعادة ترميم ما يمكن ترميمه فيها.