طرطوس: مصروف العائلة تحت ضغط الغلاء.. أرقام متباينة ومعاناة تتفاقم

حجم الخط

تتصاعد الضغوط المعيشية في مدينة طرطوس الساحلية مع استمرار موجة الغلاء وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل “المصروف الشهري” هاجساً يومياً يثقل كاهل العائلات، وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية وعجز واضح في موازنة الدخل مع متطلبات الحياة الأساسية.

ورغم اختلاف تقديرات السكان لحجم الإنفاق الشهري، إلا أن القاسم المشترك بينهم يتمثل في صعوبة تأمين الاحتياجات الضرورية، في ظل تضخم مستمر طال مختلف السلع والخدمات دون استثناء.

تقديرات متفاوتة للمصروف الشهري
يقول عدنان حمد الغسان، وهو موظف حكومي يعيل أسرة من أربعة أفراد في حديث لمنصة سوريا 24، إن الحد الأدنى للمصروف الشهري بات يتراوح بين 4 و5 ملايين ليرة سورية دون احتساب إيجار المنزل، موضحاً أن الرقم يقفز إلى نحو 6 ملايين ليرة عند إضافة تكاليف السكن، في ظل وصول بدلات الإيجار إلى ما بين مليون ومليون ونصف شهرياً.

ويشير إلى أن الارتفاع لم يعد مقتصراً على سلع محددة، بل طال “كل شيء”، معتبراً أن الزيوت والسكر واللحوم من أكثر المواد التي شهدت قفزات سعرية كبيرة، إلى جانب المحروقات وتكاليف الكهرباء البديلة (الأمبيرات)، التي باتت تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسر.

في المقابل، ترى سميرة المروان، التي تعمل في القطاع الخاص في حديث لمنصة سوريا 24، أن مصروف 3.5 ملايين ليرة لا يكفي حتى مع السكن في منزل مملوك، مؤكدة أن تكاليف الإيجار، في حال وجودها، كانت ستدفع بالعائلة إلى حافة العجز الكامل. وتوضح أن الإيجارات تلتهم ما يقارب نصف الدخل، ما يجعل تأمين باقي الاحتياجات أمراً بالغ الصعوبة.

وتلفت إلى أن الخضراوات الأساسية لم تعد في متناول الجميع كما كانت سابقاً، فيما شهدت مواد التنظيف ارتفاعاً “خيالياً”، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى النظافة والصحة داخل المنازل.

شكاوى الناس: أرقام صادمة وتفاصيل يومية قاسية
تعكس شكاوى الأهالي في طرطوس تبايناً كبيراً في تقدير المصروف الشهري، لكنها تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: العجز عن مجاراة تكاليف الحياة.

ويقول أحد السكان إن “مليون ليرة مصروف بالكاد تكفي للحد الأدنى، فيما يصل إيجار المنزل إلى نصف مليون أو أكثر، وهناك كثيرون لا يتقاضون رواتب ثابتة ويعيشون على الدخل اليومي”.

في حين يقدّر آخر أن “تكاليف الطعام والشراب والفواتير فقط قد تصل إلى نحو 10 ملايين ليرة لمستوى معيشي فوق المتوسط، أما عند احتساب النفقات الإضافية مثل المواصلات، المناسبات، الترفيه، الملابس، أو العلاج، فقد يصل الرقم إلى 20 مليون ليرة”، مشيراً إلى أعباء إضافية على الأسر التي لديها طلاب جامعات خاصة أو تجهيزات زواج.

ويؤكد مواطن ثالث أن “6 ملايين ليرة لا تكفي عند الأخذ بعين الاعتبار المصاريف الطارئة، كالأمراض أو الإصلاحات المنزلية أو أعطال المركبات”، فيما يرى آخرون أن الحد الأدنى للاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وغاز وفواتير لا يقل عن 5 ملايين ليرة.

وتتسع الفجوة أكثر عند الحديث عن النفقات غير الأساسية، إذ يشير بعض الأهالي إلى أن “تأمين الملابس أو احتياجات الأطفال أو تكاليف العلاج يتطلب ما بين 8 و10 ملايين ليرة شهرياً”.

كما يقدّر البعض الحاجة إلى ما لا يقل عن 600 دولار شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية مع وجود هامش للطوارئ، بينما يذهب آخرون إلى أن “5 ملايين ليرة قد تكفي بالكاد، وقد تنخفض إلى مليونين فقط في حال التقشف الشديد الذي يقتصر على الطعام والشراب دون احتساب الفواتير”.

وفي جانب آخر، يلفت بعض الأهالي إلى أن مصاريف التعليم وحدها تستنزف الميزانية، حيث يقول أحدهم: “نحتاج إلى 5 ملايين ليرة شهرياً لمصاريف الجامعات والمدارس فقط، أما بقية الاحتياجات فقد أصبحت كماليات يمكن الاستغناء عنها”.

استراتيجيات قاسية للبقاء
أمام هذا الواقع، يلجأ سكان طرطوس إلى جملة من الحلول التي يصفونها بـ”القاسية” لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. ويبرز في مقدمة هذه الحلول الاعتماد المتزايد على الحوالات الخارجية، التي أصبحت شريان حياة أساسياً لكثير من العائلات، في ظل تدني الأجور المحلية.

كما يتجه عدد كبير من السكان إلى العمل في أكثر من وظيفة يومياً، في محاولة لتعويض الفجوة بين الدخل والإنفاق، وهو ما ينعكس بدوره على الإرهاق الجسدي وتراجع نوعية الحياة.

وتفرض سياسة التقشف نفسها بقوة، حيث تتخلى العائلات عن العديد من المواد الغذائية التي كانت تعد أساسية في السابق، مثل اللحوم والفواكه والحلويات، مع الاكتفاء بوجبات بسيطة تعتمد غالباً على الحبوب أو الخضراوات الموسمية الأقل كلفة.

إلى جانب ذلك، تنتشر ظاهرة الاستدانة عبر “الدفاتر” في المحال التجارية، حيث تتراكم الديون على أمل تحسن الظروف أو وصول حوالات مالية من الخارج.

تضخم بلا سقف ودخل عاجز

يعكس الواقع المعيشي في طرطوس صورة أوسع للأزمة الاقتصادية، حيث تتسارع وتيرة التضخم مقابل ثبات أو انخفاض مستويات الدخل، ما يؤدي إلى تآكل مستمر في القدرة الشرائية.

ورغم تباين الأرقام التي يطرحها السكان حول حجم المصروف الشهري، إلا أن المعاناة تبدو واحدة، تتمثل في عجز الدخل عن مواكبة الأسعار التي تواصل ارتفاعها دون مؤشرات على استقرار قريب.

في ظل هذا المشهد، يبقى “المصروف الشهري” رقماً مفتوحاً على احتمالات الزيادة، ومرآة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر، في وقت تتآكل فيه مقومات الاستقرار المعيشي تدريجياً.