حلب القديمة: أسواق تستعيد نبضها ببطء… وضبابية “الفروغ” تهدد الإعمار

حجم الخط

في سوق الزرب، حيث عادت أصوات الحرفيين تختلط برائحة القهوة والدخان المتصاعد من محال الشواء، تبدو حلب القديمة وكأنها تحاول استعادة إيقاعها الذي فقدته خلال سنوات الحرب.
غير أن المدينة التي نجت حجارتها جزئيًا من النار، ما تزال تصطدم اليوم بعقدة أكثر تعقيدًا من الدمار نفسه: من يملك الحق في إعادة البناء؟ ومن يملك حق البقاء بعد الترميم؟

فالأسواق التاريخية، التي كانت يومًا القلب التجاري لحلب، دخلت مرحلة جديدة من النزاع، لا تدور حول الركام فقط، بل حول “الفروغ”، وحقوق الإشغال، والملكية، وحدود العلاقة بين مالك الرقبة وصاحب المحل.

وبحسب تقديرات وتقارير أممية ومحلية، تعرضت نحو 60% من المدينة القديمة لأضرار متفاوتة، فيما دُمّر نحو 30% منها بالكامل، بما في ذلك أجزاء واسعة من الأسواق والخانات التاريخية.

وبينما جرى ترميم أجزاء من أسواق السقطية والزرب والمحمص والعبي خلال السنوات الماضية، لا تزال مئات المحال خارج الخدمة، وسط تقديرات تشير إلى أن إعادة تأهيل الأسواق القديمة تحتاج إلى ملايين الدولارات، وإلى سنوات طويلة من العمل، لكن بالنسبة لكثير من التجار، تبدو المشكلة اليوم أبعد من التمويل والحجر.

نظام الفروغ.. من يرمم ويستثمر؟

يستعيد محمد نور حمّامة، عضو لجنة مالكي الفروغ بحلب، تاريخ هذا النظام الذي يقول إنه سبق قانون عام 1952 بوقت طويل، قبل أن يأتي القانون رقم 111 لتنظيم العلاقة بين مالك الرقبة وصاحب حق الفروغ.

وبينما يصف حمّامة تلك المرحلة بأنها فترة “استقرار اقتصادي وتنظيمي”، يرى أن المشكلة بدأت حين أُعيد فتح الملف مؤخرًا بطريقة “هزّت الأرضية التجارية” داخل الأسواق.

ويقول إن العلاقة بين الطرفين بقيت لعقود تُدار بالتراضي، مضيفًا: “كان المالك يأتي إلى المحل، يجلس مع صاحب المحل، يشرب القهوة ويتقاضى حصته ويمضي. لم تكن هناك هذه الحساسية الموجودة اليوم”.

هذا الشعور بعدم الاستقرار يلتقي معه فؤاد صبّاغ، التاجر وعضو لجنة المطالبة بالفروغ في حلب، لكن من زاوية مختلفة، فبالنسبة له، لا تكمن المشكلة فقط في الجدل القانوني، بل في أثره المباشر على قرار الترميم نفسه.

ويقول إن كثيرًا من أصحاب المحال توقفوا عن إعادة التأهيل بسبب الخوف من خسارة حقوقهم لاحقًا، موضحًا أن العقارات المهدمة تحولت إلى ملف معلق بين أصحاب الفروغ ومالكي الرقبة.

ويضيف: “صاحب المحل اليوم يسأل نفسه: لماذا أضخ مئات آلاف الدولارات في عقار قد أخسره لاحقًا؟”.

الدمار وحده لا يوقف الأسواق

في منطقة السويقة، يقف فؤاد مكتبي أمام خان التتون المدمر، وهو واحد من الخانات التجارية القديمة التي تعرضت لانهيار شبه كامل خلال الحرب.

يتحدث مكتبي عن مرحلة كان فيها التجار مستعدين لإعادة البناء على نفقتهم الخاصة، رغم غياب أي تعويضات رسمية، لكن الفساد والتكاليف المرتفعة آنذاك أوقفت معظم المشاريع.

أما اليوم، فيقول إن المشكلة أصبحت مرتبطة بشروط الترميم نفسها.

ويشير إلى أن بعض أصحاب الفروغ يُمنحون حق استثمار مؤقتًا لا يتجاوز 15 سنة، رغم أن إعادة تأهيل بعض الخانات تحتاج إلى استثمارات قد تتجاوز 200 ألف دولار.

هنا، يتقاطع حديثه مع ما يطرحه حمّامة وصبّاغ، فالجميع يتحدث عن غياب الضمانات القانونية، لكن كل منهم يقرأها من زاويته الخاصة.

فحمّامة يرى أن المشكلة الأساسية هي كسر التوازن التاريخي الذي حكم العلاقة بين الطرفين لعقود، بينما يركز مكتبي على غياب الجدوى الاقتصادية من إعادة البناء دون ضمانة استقرار طويلة الأمد، في حين يربط صبّاغ الأمر مباشرة بتوقف حركة الترميم داخل الأسواق.

ويقول مكتبي: “لا يمكن التعامل معنا كمستثمرين جدد.. نحن أصحاب حقوق قائمة منذ عقود، دفعنا مقابلها مبالغ كبيرة تحت مسمى الهبة أو الفروغ”.

من يملك حق الترميم؟

لكن حتى في الحالات التي لا يوجد فيها خلاف مباشر على الملكية، تظهر مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا: إثبات الحق نفسه، فالمحامي عبد المنعم قشقش يرى أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الحالية مرتبط بفقدان الوثائق خلال سنوات الحرب.

ويقول إن البلديات لا تمنح تراخيص الترميم إلا بناء على وثائق رسمية تثبت حق الفروغ أو الإشغال أو الاستثمار، سواء عبر عقود موثقة أو أحكام قضائية.

غير أن الحرب، وفق قشقش، دفعت كثيرين إلى فقدان هذه الوثائق، بينما يعتمد آخرون على عقود عادية غير موثقة لا تكفي قانونيًا.

ويضيف: “هناك أشخاص يملكون حقوقًا فعلية داخل الأسواق، لكنهم غير قادرين على إثباتها رسميًا، وبالتالي لا يستطيعون استخراج تراخيص للترميم”.

وهنا يعود التجار للحديث عن النقطة نفسها، عن الوقت ومن يعيد الحياة إلى الأسواق مجددًا، فبينما تستغرق الدعاوى وإعادة تثبيت الحقوق سنوات، تبقى الأسواق معلقة بين الركام والقضاء.

الهلاك الكامل… نهاية حق الفروغ؟

ورغم اتفاق المتحدثين على ضرورة حماية الحقوق، إلا أن نقطة الخلاف الأبرز تظهر عند الحديث عن العقارات المهدمة بالكامل.

فالمحامي قشقش يميز بوضوح بين الترميم الجزئي والهلاك الكامل للعقار، ويقول إن الترميم الجزئي يبقي حق الفروغ قائمًا، أما إذا تحول العقار إلى “هلاك مأجور” نتيجة دمار كامل، فإن عقد الإيجار وحق الفروغ ينتهيان قانونيًا، لتعود مسؤولية إعادة البناء إلى مالك الرقبة.

ويضيف: “إذا انتهى وجود العقار نفسه، ينتهي معه حق الانتفاع المرتبط به”.

هذا الطرح يثير قلق أصحاب الفروغ، خصوصًا أولئك الذين يعتبرون أن الحرب وما خلفته من دمار يدخل ضمن مفهوم “القوة القاهرة”، وبالتالي لا ينبغي أن يؤدي إلى إسقاط حقوقهم.

ويقول مكتبي إن كثيرًا من العقارات تهدمت نتيجة القصف والبراميل، لا نتيجة إهمال أصحابها، معتبرًا أن التعامل معها بوصفها “هلاكًا طبيعيًا” يظلم أصحاب الحقوق التاريخية.

أما صبّاغ، فينظر إلى المسألة من زاوية اقتصادية مباشرة، محذرًا من أن استمرار هذا الغموض سيؤدي عمليًا إلى تجميد إعادة الإعمار، ليس فقط في المدينة القديمة، بل أيضًا في مناطق صناعية وتجارية مثل العرقوب والكلاسة.

الأوقاف… العقدة الأكثر حساسية

وتزداد الصورة تعقيدًا داخل العقارات الوقفية، حيث تتداخل قوانين الإيجار مع الطبيعة الخاصة لأملاك الأوقاف، فبحسب مطالعات قانونية متداولة بين محامين معنيين بالملف، فإن وزارة الأوقاف لا تُعد مالكًا مباشرًا لأموال الوقف، بل جهة إدارة وإشراف واستثمار، استنادًا إلى المرسوم التشريعي رقم 204 لعام 1961 والقانون رقم 31 لعام 2018.

هذا التوصيف يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة حول مدى انطباق بعض مواد قانون الإيجار الخاصة بحقوق “المالك” على عقارات الأوقاف.

ويبدو أن هذه النقطة تحديدًا تعمّق حالة الضبابية داخل الأسواق، حيث تتقاطع الأعراف التجارية القديمة مع القوانين الحديثة ومحاولات إعادة التنظيم العمراني.

مدينة تبحث عن تسوية تنجيها من الركام

في حلب القديمة، تبدو عملية إعادة بناء الحجر أقل تعقيدًا من إعادة بناء الثقة القانونية داخل الأسواق، فبينما تعود الحياة تدريجيًا إلى بعض الأزقة والخانات، ما تزال أجزاء واسعة من المدينة تنتظر تسوية واضحة تحدد شكل العلاقة المستقبلية بين المالكين وأصحاب الفروغ.

وبين وجهة نظر قانونية ترى أن بعض الحقوق تنتهي بهلاك العقار، ورؤية تجارية تعتبر أن إسقاط هذه الحقوق سيقضي على أي رغبة بالاستثمار، تبقى الأسواق القديمة معلقة بين محاولات النهوض ومخاوف فقدان الملكية.

وفي مدينة قامت تجارتها تاريخيًا على الاستقرار والعلاقات الممتدة بين العائلات والتجار، لا تبدو معركة إعادة الإعمار اليوم مجرد إعادة بناء للجدران، بل محاولة لإعادة تعريف القواعد التي حكمت هذه الأسواق طوال قرن كامل، فهل ينجح المشرع السوري في اجتراح حلول تنقذ هذه الأسواق وتعيد الحياة إليها؟!