“لم يعد القمح يطعم أهله”.. تسعيرة القمح تشعل احتجاجات مزارعي الرقة

حجم الخط

وقف عابد العبد وسط أرضه في مزرعة كبش، شمالي الرقة، يتأمل سنابل القمح التي اقترب موعد حصادها، لكنه لا يتحدث هذه المرة عن وفرة الموسم أو جودة المحصول، بل عن الخسارة التي تنتظره مع نهاية العام الزراعي.

يقول الرجل، الذي أمضى سنوات طويلة في زراعة القمح، إن الأرض لم تعد تمنح أصحابها الطمأنينة ذاتها. فمع الارتفاع المتواصل في أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات، بات المزارعون يشعرون بأن كل موسم جديد يدفعهم خطوة إضافية نحو التخلي عن الزراعة.

في مدينة الرقة، احتج العشرات من المزارعين والأهالي، اليوم الأحد، رفضاً لتسعيرة القمح المحددة بـ46 ألف ليرة سورية للطن الواحد من العملة الجديدة، أي ما يعادل نحو 340 دولاراً، معتبرين أن السعر لا يغطي حتى تكاليف الإنتاج الأساسية.

بالنسبة لكثير من المزارعين في الجزيرة السورية، لا تبدو القضية مرتبطة بمحصول زراعي فقط، بل بمصدر العيش الوحيد تقريباً في منطقة تعتمد غالبية عائلاتها على الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر.

يشرح عابد العبد، في حديثه لـ”سوريا 24“، تفاصيل الخسارة بلغة الأرقام التي بات يحفظها المزارعون جيداً. يقول إن “تكلفة إنتاج الدونم الواحد تجاوزت 110 دولارات، بينما لا يتجاوز إنتاجه، في أفضل الحالات، 400 كيلوغرام”.

ثم يضيف بصوت هادئ يخفي كثيراً من الإرهاق: “مع تكاليف الحصاد والنقل تصبح الخسارة حتمية… نحن نبيع القمح بأقل من تكلفته”.

في القرى المحيطة بالرقة، حيث تمتد الحقول على مسافات طويلة، تغيرت أحاديث المزارعين خلال السنوات الأخيرة. فبدلاً من النقاش حول الأمطار والمواسم، بات الحديث يدور حول أسعار السماد والمازوت والديون المتراكمة.

في قرية رويان، يتحدث المزارع ياسر السعود عن موسم يصفه بأنه “الأصعب منذ سنوات”. ويقول إن أسعار مستلزمات الزراعة ارتفعت بشكل غير مسبوق مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن طن السماد كان يباع بنحو 450 دولاراً، بينما وصل هذا العام إلى نحو 800 دولار.

أما المازوت، الذي كان مدعوماً في سنوات سابقة، فقد تجاوز سعره اليوم 12 ألف ليرة سورية، ما جعل تشغيل المضخات والآليات الزراعية عبئاً إضافياً على الفلاحين.

يقول السعود: “بهذه التكاليف وهذه التسعيرة لا يمكن الاستمرار”، قبل أن يضيف أن كثيراً من المزارعين باتوا يفكرون جدياً في ترك زراعة القمح، رغم ارتباطهم الطويل بالأرض.

هذا التراجع بدأ يظهر بوضوح في المساحات المزروعة. رئيس الجمعية الفلاحية في كبش، عبود الخلف، يقول إن الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لم تتجاوز 30% من المساحات المستهدفة ضمن الزراعات الشتوية، بعدما كانت النسبة المفترضة تصل إلى نحو 75%.

ويرى الخلف أن ما يحدث لا يعكس أزمة موسمية مؤقتة، بل عزوفاً متزايداً عن زراعة محصول كان يعرف لعقود بأنه “ذهب الجزيرة السورية”. ويحذر من أن استمرار الخسائر قد يؤدي تدريجياً إلى تقلص المساحات المزروعة خلال السنوات المقبلة، وربما اختفاء بعض المحاصيل كما حدث سابقاً مع القطن والشمندر السكري.

في الرقة، حيث تعتمد غالبية العائلات على الزراعة كمصدر دخل أساسي، يخشى كثيرون أن تمتد الأزمة إلى ما هو أبعد من الحقول. فالتراجع الزراعي لا يصيب الفلاحين وحدهم، بل ينعكس على الأسواق والعمال والنقل وحياة القرى بأكملها.

ويؤكد مزارعون أن أكثر من 85% من سكان المنطقة يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على القطاع الزراعي، ما يجعل أي خسارة في هذا القطاع تهديداً واسع النطاق للاستقرار المعيشي.

وقال أحد المحتجين إن “الخوف اليوم لم يعد من خسارة موسم فقط، بل من خسارة القدرة على البقاء في هذه الأرض”.

وبينما تجمع المحتجون في الرقة للمطالبة بإعادة النظر في تسعيرة القمح، بدا واضحاً أن كثيرين منهم لم يكونوا يدافعون عن محصول زراعي فحسب، بل عن نمط حياة كامل تشكلت حوله مدن

وقرى الجزيرة السورية لعقود طويلة.