بين دفاتر اللغة العربية وأكوام الكتب التي أحاطت طفولتها، بدأت حكاية الطفلة السورية بانة عبد الله، القادمة من عائلة عاشت سنوات طويلة من النزوح والتنقل بين المحافظات السورية، قبل أن تتحول اليوم إلى واحدة من أبرز الوجوه الثقافية الناشئة في سوريا، بعد حصولها على المركز الأول على مستوى الجمهورية العربية السورية في مسابقة تحدي القراءة العربي، إلى جانب سلسلة من الجوائز والإنجازات الأدبية والثقافية.
بانة، التي حصدت أيضاً جائزة الإبداع الدولي للأديب الناشئ من وزارة الثقافة السورية، لم تكن رحلتها نحو النجاح عادية، بل ولدت من قلب المعاناة التي عاشتها عائلتها خلال سنوات الحرب.
والدها، المعلم عمر عبد الله، وهو مدرس لغة عربية من دير الزور، يروي لـ سوريا 24 تفاصيل رحلة النزوح التي عاشتها الأسرة قائلاً: “تنقلنا بسبب الحرب بين عدة محافظات، بدأنا من ريف حلب ثم انتقلنا إلى الرقة، وبعدها إلى دير الزور، وفي عام 2015 نزحنا إلى مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، حيث بقينا حتى عام 2025، قبل أن ننتقل بعد التحرير إلى ريف دمشق، وتحديداً إلى مدينة المعضمية”.
ويؤكد والدها أن تعليمها في سنواتها الأولى كان منزلياً إلى حد كبير، إذ تعلمت القراءة في سن مبكرة، قبل أن تدخل المدرسة لاحقاً بعد انتقال العائلة إلى دمشق.
ويضيف: “لدي ابن في الصف التاسع وأربع بنات، من بينهن بانة التي تدرس حالياً في الصف السابع. أحبت القراءة منذ نعومة أظفارها، فقد كنا ندرس أبناء الحارة اللغة العربية داخل منزلنا، ونشأت بانة وسط الورق والأقلام ودفاتر التحضير والتلاميذ”.
رحلة بانة مع القراءة بدأت مبكراً، لكنها تحولت مع الوقت إلى مشروع حقيقي للتميز. وبدعم مباشر من والديها، شاركت في مسابقة تحدي القراءة العربي، وحققت المركز الأول على مستوى محافظة الحسكة لثلاثة أعوام متتالية، قبل أن تمثل هذا العام محافظة ريف دمشق وتحصد المركز الأول مجدداً، ثم تتأهل إلى التصفيات النهائية على مستوى سوريا.
ويقول والدها: “قرأت بانة ما يقارب 300 كتاب في مجالات متنوعة، واختارت منها 50 كتاباً للمشاركة في تحدي القراءة العربي هذا العام، وبفضل الله حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية، ونحن الآن نستعد للتصفيات النهائية على مستوى الوطن العربي”.
أما بانة، فتصف لحظة إعلان فوزها بأنها كانت “مشاعر لا توصف”، مضيفة: “كنت أشعر وكأنني أطير فرحاً في سماء الإبداع، وعندما صعدت إلى المسرح كنت بحاجة إلى حضن دافئ يمنحني القوة، فاحتضنتني وزيرة الشؤون الاجتماعية وشجعتني على الوقوف بثقة، وقالت لي إنني قادرة على تمثيل سوريا بأفضل صورة في دولة الإمارات العربية المتحدة”.
ولم تتوقف إنجازات بانة عند مسابقات القراءة، إذ استطاعت في سن صغيرة أن تخطو خطوات واسعة في عالم الكتابة والتأليف، فهي مؤلفة كتاب “أنا سوري”، وهو دليل ثقافي سياحي، إلى جانب سلسلة “البان الأدبية” القصصية، كما وقعت أول أعمالها الأدبية في دبي ضمن فعاليات تحدي القراءة العربي.
كما شهد معرض دمشق الدولي للكتاب توقيع عدد من أعمالها، بينها كتاب “أنا سوري” برعاية وزارة السياحة السورية، وكتاب “قصة إن وأخواتها” في جناح وزارة التربية والتعليم، إضافة إلى عمل روائي جديد قيد الطباعة يحمل عنوان “مع أبطال تحدي القراءة العربي على مستوى العالم”.
وفي جانب آخر من نشاطها الثقافي، شاركت بانة متطوعة في معرض دمشق الدولي للكتاب، حيث عرفت بأنها أصغر متطوعة في المعرض، وأسهمت في استقبال الوفود الرسمية والزوار والتعريف بالحضارة السورية في أجنحة وزارات السياحة والإعلام والثقافة، كما قدمت شروحات عن آثار سوريا في جناح مديرية الآثار والمتاحف، وشاركت في التعريف بأجنحة دول عربية بينها قطر والسعودية، وأجرت لقاءات إعلامية حول الثقافة والكتاب.
وتختصر بانة رحلتها بعبارة تقول فيها: “كبرت بين الكتب، والقراءة كانت دائماً طريقي لأحلم بسوريا التي أحب”.
