حلب تختنق بالنفايات… أزمة خدمات تكشف ارتباك الإدارة وتداخل السياسة

حجم الخط

في مدينةٍ تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب الطويلة، تحولت القمامة في حلب إلى أكثر من مجرد أزمة خدمية. أكوام النفايات المنتشرة في الشوارع، والحاويات الممتلئة، والروائح الثقيلة التي تغلف بعض الأحياء، دفعت آلاف السكان إلى التعبير عن غضبهم عبر حملات إلكترونية وشكاوى يومية، في مشهد أعاد ملف الخدمات الأساسية إلى صدارة النقاش العام في العاصمة الاقتصادية السابقة لسوريا.

خلال الأسابيع الأخيرة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور ومقاطع مصورة تحت عناوين مثل “حلب تختنق” و”#طلعت_ريحتكم”، في إشارة إلى التدهور المتزايد في واقع النظافة، خصوصاً في الأحياء الشرقية والشعبية التي تعاني من ضغط سكاني متزايد بعد عودة آلاف العائلات إلى المدينة.

وكانت محافظة حلب قد أعلنت، قبل نحو عام، أن المدينة تحتاج إلى ما يقارب ثلاثة آلاف عامل نظافة وفق المعدلات الطبيعية، بينما يشكل تأمين ألف عامل فقط حلاً إسعافياً مؤقتاً، في ظل تراجع الإمكانيات البشرية واللوجستية واهتراء جزء كبير من الآليات العاملة.

مواطنون يشتكون من تراجع الخدمات

في بعض الشوارع، لم تعد الحاويات تتسع للنفايات المتراكمة، فيما تحولت الأراضي الفارغة ومحيط الحاويات إلى مكبات مفتوحة.

ويقول سكان لموقع “سوريا 24” إن مشهد القمامة أصبح جزءاً من الحياة اليومية، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الحشرات والأمراض مع اقتراب فصل الصيف.

ويعبر علي فرواتي، أحد سكان المدينة، عن استيائه من واقع النظافة، قائلاً إنه “أصبح معدوماً”، مضيفاً أن البلديات لم تعد قادرة على مواكبة حجم النفايات المتزايد. ويحمل فرواتي الجهات الحكومية مسؤولية ما يجري، مطالباً بتشديد الرقابة على عمال النظافة وزيادة حملات رش المبيدات الحشرية.

في حي الخالدية، يرى جمال هنداوي، خلال حديثه لموقع “سوريا 24”، أن هناك “جهوداً قائمة بالفعل”، لكنها تبقى أقل بكثير من حجم الاحتياجات المتزايدة.

ويشير هنداوي إلى أن نقص العمال والحاويات يفاقم الأزمة، خصوصاً في الأحياء المكتظة التي شهدت عودة تدريجية للسكان خلال العامين الأخيرين، لكنه يلفت أيضاً إلى غياب التوعية المجتمعية، معتبراً أن مسؤولية النظافة “لا تقع على عامل النظافة وحده”، بل تشمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية، في ظل استمرار رمي القمامة بشكل عشوائي في كثير من المناطق.

أما سليمان حسين، الذي عاد إلى حلب قبل أسابيع بعد سنوات من الغياب، فيصف صدمته من مستوى الخدمات قائلاً: “كنت أعتقد أن المدينة تجاوزت هذه المرحلة، لكن القمامة في كل مكان تقريباً”.

ويحمل حسين، خلال حديثه لموقع “سوريا 24”، المسؤولية بشكل مشترك بين السكان والسلطات المحلية، معتبراً أن غياب التنظيم وضعف الالتزام المدني ساهما في تفاقم الأزمة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن المؤسسات المعنية لم تتمكن حتى الآن من تقديم حلول عملية ومستدامة.

ومع اتساع الانتقادات، تحولت أزمة النظافة إلى ملف سياسي وإداري مفتوح، طاول بشكل مباشر أداء مجلس مدينة حلب ورئيسه طلال الجابري.

انتقادات لأداء الإدارة المحلية

اعتبر عضو مجلس الشعب عن مدينة حلب، عقيل حسين، في منشور عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ما يحدث “يكشف فشل الإدارة المحلية في التعامل مع مرحلة استثنائية”، مشيراً إلى أن هيئة الإمداد والتوريد وافقت مؤخراً على طلب شراء آليات خدمية للمدينة تتجاوز قيمتها سبعة ملايين دولار، بعد أشهر من الجدل والانتقادات.

ويرى حسين أن نقص الآليات والعمال يمثل سبباً حقيقياً للأزمة، لكنه لا يبرر استمرارها بهذا الحجم، خصوصاً في مدينة مثل حلب، مضيفاً أن مؤسسات الإدارة المحلية خلال السنوات الأولى للحرب عملت بإمكانات شبه معدومة، لكنها تمكنت رغم ذلك من تأمين الحد الأدنى من الخدمات.

كما اتهم حسين رئيس مجلس المدينة بـ”الاستسلام للواقع”، وعدم السعي الجدي لإيجاد حلول بديلة، معتبراً أن المجلس “أصبح مختزلاً بشخص رئيسه”.

اتهامات بالتسييس وتبادل للمسؤوليات

في المقابل، يرى الناشط عبد الرحمن إسماعيل، في منشور عبر “فيسبوك”، أن الحملة ضد مجلس المدينة تحمل أبعاداً سياسية، متهماً محافظة حلب بمحاولة تحميل المجلس وحده مسؤولية الأزمة، رغم أن جزءاً من المشكلة – بحسب قوله – يرتبط ببطء الاستجابة من الجهات المركزية في دمشق.

ويشير إسماعيل إلى أن إمكانيات البلدية استنزفت خلال زيارات وفعاليات رسمية، بينها زيارة بلال أردوغان إلى المدينة، حيث جرى توجيه فرق وآليات النظافة نحو مناطق محددة على حساب بقية الأحياء.

كما يتحدث عن خلافات مالية وإدارية بين المحافظة ومجلس المدينة السابق، قائلاً إن تلك التوترات انعكست سلباً على الأداء الخدمي والإداري للمجلس.

غياب الشفافية وتراجع مكافحة الفساد

من جهته، انتقد عضو مجلس الشعب بشر الحاوي، في منشور عبر “فيسبوك”، ما وصفه بـ”غياب الشفافية” في التعامل مع الأزمة، معتبراً أن المسؤولين لم يخرجوا لتوضيح أسباب التدهور إلا بعد تصاعد الضغط الشعبي والإعلامي.

كما أشار الحاوي إلى أن ملف مكافحة الفساد داخل المؤسسات الخدمية تراجع خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس – بحسب رأيه – على أداء مجلس المدينة وواقع الخدمات.

مجلس المدينة: نقص الإمكانيات يعيق الحلول

أمام هذه الانتقادات، يدافع رئيس مجلس مدينة حلب، طلال الجابري، عن أداء المجلس، مؤكداً أن الواقع الخدمي في المدينة “صعب للغاية”، في ظل التراجع الكبير في الإمكانيات التشغيلية.

ويقول الجابري إن البلدية تضطر أحياناً إلى استخدام “التركسات” وآليات بديلة لترحيل القمامة بسبب غياب الضواغط المتخصصة، مشيراً إلى أنه رفع كتباً رسمية إلى هيئة الإمداد والتوريد للمطالبة بآليات وضواغط جديدة، “لكن من دون استجابة لفترة طويلة”.

ويضيف أن الزيادة الكبيرة في عدد السكان العائدين إلى المدينة رفعت حجم الضغط على قطاع النظافة بشكل يفوق القدرات الحالية، في وقت تعاني فيه البلدية من نقص كبير في عدد العمال والآليات الصالحة للعمل.

ورد عقيل حسين بالقول إن معلوماته تشير إلى صرف هيئة الإمداد والتوريد مبلغ سبعة ملايين دولار من أجل شراء معدات مخصصة لقطاع النظافة، معرباً عن أمله في أن ينعكس القرار على واقع الخدمات في أحياء المدينة.

كما سبق لمسؤولين محليين أن تحدثوا عن مبادرات لدعم قطاع النظافة، تضمنت تغطية رواتب مئات العمال، وإصلاح عدد من ضاغطات النفايات المتوقفة، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بفرز النفايات وإعادة تدويرها وتحسين عمليات الترحيل والمعالجة، إلا أن كثيراً من هذه الوعود لم ينعكس بشكل ملموس على الواقع الخدمي حتى الآن.

مديرية النظافة: آليات مستهلكة وعجز في الكوادر

وفي موازاة السجال السياسي والإداري، تعترف مديرية النظافة في مجلس مدينة حلب بوجود أزمة حقيقية.

ويقول مدير المديرية، بكر العبد الله، لموقع “سوريا 24”، إن كثيراً من الآليات الموجودة “مستهلكة وتحتاج إلى صيانة مستمرة”، فيما تعاني المديرية من نقص حاد في العمال.

ويضيف أن المديرية بدأت خلال الفترة الأخيرة بالاستعانة بالقطاع الخاص، عبر التعاقد مع متعهدين لتغطية بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، إلى جانب إنشاء مراكز فرعية لنقل القمامة مباشرة إلى المكب النهائي في منطقة تل الضمان.

لكن بالنسبة لكثير من سكان حلب، لا تبدو الأزمة مجرد مشكلة خدمات مؤقتة، بل صورة مكثفة عن مدينة لا تزال تحاول النهوض من آثار الحرب، فيما تسبقها القمامة إلى شوارعها اليومية، كاشفة هشاشة البنية الخدمية في مرحلة يفترض أنها مرحلة تعافٍ وإعادة استقرار.