في سهل الغاب، أحد أكثر الأحواض الزراعية خصوبة في سوريا، تتكشف بصمت أزمة جديدة داخل المزارع السمكية المنتشرة على امتداد السهول المائية.
فخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت الأحواض التي كانت تعج بالحركة إلى مساحات طافية بالأسماك النافقة، فيما تحاول الجهات المعنية تفسير الظاهرة التي تصفها السلطات المحلية بأنها “إصابة مركبة” ناتجة عن تداخل عوامل فيروسية وبكتيرية وفطرية، إضافة إلى ظروف بيئية ومناخية ساهمت في إضعاف الأسماك وتسريع انتشار المرض داخل المزارع.
ويُعد سهل الغاب المركز الأهم لإنتاج الأسماك في سوريا، إذ يضم نحو 439 مزرعة سمكية، بينها 225 مزرعة مرخصة و214 أخرى غير مرخصة، مع إنتاج سنوي يقدّر بنحو 8 آلاف طن من أسماك المائدة، أي ما يقارب 80% من إجمالي إنتاج المزارع السمكية في البلاد، وفق تصريحات رسمية سابقة.
ويأتي ذلك ضمن قطاع سمكي بلغ إجمالي إنتاجه في سوريا نحو 19,185 طناً خلال عام 2024، توزعت بين الصيد البحري، والمزارع السمكية، وصيد المياه العذبة. إلا أن هذه الأرقام تخفي هشاشة قطاع يواجه اليوم واحدة من أوسع موجات النفوق منذ سنوات.
داخل المزارع، تبدو الخسائر أكبر من مجرد أرقام. يقول أحد المربين إن “نسب النفوق مرتفعة جداً، وهناك مزارع خسرت أكثر من ألفي فرخ سمكي”، مضيفاً أن المرض “لم يعد محصوراً في أحواض محددة، بل أصبح منتشراً في معظم المسامك”.
ويشرح أن الأسماك غالباً ما تصل إلى مراحل متقدمة من النمو قبل أن تنفق بشكل مفاجئ، “أي بعد أن يكون المزارع قد استنزف مبالغ كبيرة على التربية والتعليف”، في خسارة يصفها المربون بأنها “الأكثر قسوة”، لأنها تأتي في المرحلة الأقرب إلى التسويق.
ويرى مربٍّ آخر أن ما يحدث يأتي امتداداً لأزمات متلاحقة أنهكت القطاع خلال السنوات الماضية، قائلاً: “بعد التحرير، حاولنا إعادة الحياة إلى المزارع، لكننا فوجئنا بانتشار الأمراض. أصبحنا نستيقظ كل صباح على نفوق دفعات جديدة من الأسماك”.
ومع اتساع حجم الخسائر، بدأت المخاوف تتجاوز الموسم الحالي نحو مستقبل القطاع نفسه. ويؤكد عدد من المربين أنهم باتوا مترددين في إعادة الاستزراع داخل الأحواض الترابية، مطالبين الجهات الحكومية بالتدخل الميداني السريع، ليس فقط لتشخيص المرض، بل أيضاً لمساعدة المزارعين على احتواء النفوق والتخلص الصحي من الأسماك النافقة.
في المقابل، قال مدير فرع الثروة السمكية والأحياء المائية في حماة، علاء عبد المجيد المواس، لموقع “سوريا 24”، إن المؤشرات الأولية ترجّح وجود “إصابة فيروسية ترافقها إصابات بكتيرية وفطرية”، موضحاً أن التحاليل المخبرية ما تزال جارية لتحديد العامل المسبب بصورة نهائية.
وبحسب المواس، فإن ما يحدث لا يرتبط بسبب واحد، بل بـ”إصابة مركبة” نتجت عن تداخل عدة عوامل بيئية ومناخية وصحية. وأشار إلى أن التباين الحاد في درجات الحرارة يُعد العامل الأبرز في إضعاف مناعة الأسماك، بينما ساهمت عوامل أخرى، مثل سوء جودة المياه، ونقص الأوكسجين المنحل، واستخدام مخلفات مسالخ الدواجن كأعلاف، في تفاقم انتشار المرض داخل الأحواض.
ووصف المواس حجم الأضرار بأنها “كبيرة جداً”، لافتاً إلى أن معدلات النفوق وصلت في بعض المزارع إلى 100%، خصوصاً بين الأسماك كبيرة الحجم، وهي الأعلى قيمة اقتصادية.
ورغم خطورة المشهد، لا تزال الإحصائيات الدقيقة غائبة. فبحسب المسؤول السوري، لا يصرّح بعض المربين بالخسائر الحقيقية، كما أن جزءاً من الأسماك النافقة يبقى في قاع الأحواض من دون أن يُرصد، في حين أن بعض المزارع الأخرى لم تسجل أي إصابات، ما يعكس تفاوت الظروف البيئية والصحية بين موقع وآخر.
ويستعيد المواس حالات مشابهة سُجلت خلال السنوات الماضية، لكنها كانت محدودة النطاق واقتصرت على بعض مزارع الكارب وأسماك الزينة، “ولم تكن بهذه الشدة”، وفق تعبيره، مرجعاً ذلك إلى التوسع الكبير الذي شهدته تربية الأسماك في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، بدأت الفرق الفنية التابعة لفرع الثروة السمكية بسحب عينات من المياه والأسماك وإجراء تحاليل حقلية ومخبرية، بالتوازي مع إصدار توصيات عاجلة للمربين، تضمنت وقف استخدام الأعلاف المخالفة، وزيادة معدلات الضخ والأوكسجة، وتعقيم الأحواض، والتخلص الصحي من الأسماك النافقة لمنع انتقال العدوى إلى مناطق أخرى.
لكن بالنسبة للمربين، تبدو الأزمة أعمق من مجرد موجة مرضية عابرة. فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة على إعادة الاستزراع، يخشى كثيرون أن تتحول خسائر هذا الموسم إلى بداية تراجع طويل لقطاع كان، حتى وقت قريب، أحد أبرز مصادر الإنتاج الغذائي في سوريا.
