شمال السكة في الرقة… مشروع التنظيم يثير مخاوف الأهالي ويفتح ملف الملكيات

حجم الخط

في شمال مدينة الرقة، حيث تتشابك الأحياء الشعبية مع الأراضي الزراعية القديمة والمشاريع الحكومية المتعثرة، عاد ملف الملكية والتعويضات إلى الواجهة مجددا، لكن هذه المرة تحت عنوان “إعادة التنظيم العمراني”.

فمنذ أسابيع، تعيش منطقة “شمال السكة” على وقع توتر متصاعد بين الأهالي والسلطات المحلية، بعد تداول معلومات عن مشروع واسع لإعادة تخطيط المنطقة، يتضمن هدم أحياء قائمة منذ عقود واستبدالها بمخطط عمراني جديد يضم شوارع عريضة وأبنية طابقية ومجمعات تجارية وحدائق عامة.

وبينما تصف محافظة الرقة المشروع بأنه خطوة لتحسين الواقع الخدمي والعمراني، يرى فيه كثير من السكان تهديدا مباشرا لاستقرارهم وامتدادا لسلسلة طويلة من التعويضات غير المتوازنة وإعادة تشكيل الملكيات في المدينة.

احتجاجات متصاعدة

خرج عشرات الأهالي، اليوم، في مظاهرة احتجاجية رفضا للمشروع، مطالبين بإيقاف قرارات الهدم وإعادة النظر بآلية التنفيذ، فيما رفع بعض المشاركين شعارات تطالب بإقالة محافظ الرقة، متهمين الجهات الرسمية بعدم الاستماع إلى السكان أو إشراكهم في مناقشة المشروع قبل طرحه.

ويقول الأهالي إن الحديث عن المشروع بدأ قبل أشهر عبر “تسريبات وشائعات”، قبل أن تتضح لاحقا ملامح خطة تنظيمية واسعة تشمل أجزاء كبيرة من المنطقة.

وبحسب عدة مصادر أهلية، يقوم المشروع على إزالة الأحياء الحالية بالكامل وإعادة تخطيطها عمرانيا، عبر إنشاء مناطق سكنية حديثة ومولات وحدائق وبنى خدمية جديدة، مقابل نقل السكان وتعويضهم بشقق سكنية أو مساكن في مناطق أخرى خارج شمال السكة.

ويرى السكان أن جوهر الاعتراض لا يتعلق بفكرة التنظيم بحد ذاتها، بل بخسارة منازلهم وأحيائهم التي تشكلت على مدى عقود، وتحويل المنطقة إلى مساحة استثمارية جديدة.

ذاكرة التعويضات

يربط الأهالي ما يحدث اليوم بمسار طويل بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين أزيلت منازل قرب نادي الفروسية ضمن مشاريع مرتبطة بالخيل والفروسية.

ويقول سكان لـ”سوريا 24” إن نحو عشرين عائلة كانت تقيم آنذاك في المنطقة ضمن بيوت تمتد على مساحات تراوحت بين ثلاثة وأربعة دونمات لكل منزل، قبل أن يحصلوا لاحقا على تعويضات في منطقة دوار حزيمة بمساحات لم تتجاوز 300 متر لكل عائلة.

وقال إسماعيل الغانم، وهو أحد سكان دوار حزيمة، إن “الحديث يدور عن هدم أكثر من أربعة آلاف منزل”، مضيفا أن “مصلحة الحكومة باتت تقدم على مصلحة الأهالي”، وفق تعبيره.

ويتساءل الغانم عن “الرفاهية التي يمكن أن تتحقق عبر تهجير آلاف العائلات”، معتبرا أن هناك مناطق أخرى يمكن استثمارها أو تطويرها، مثل منطقة الفروسية والأقطان وسرير النهر، “بدلا من إزالة منازل الناس”.

مشروع الرائد

عاد الملف إلى الواجهة مجددا مع مشروع “الرائد الزراعي” عام 2000، حين وزعت أراض بموجب محاضر تسليم، مع تفاوت واضح في المساحات الممنوحة للمستفيدين.

ويشير الأهالي إلى أن أجزاء واسعة من المنطقة تحولت لاحقا إلى أحياء منظمة تضم مقاسم بلدية وشوارع ومنازل ومنشآت صناعية وتجارية، ما عزز شعور السكان بأن واقعهم العمراني أصبح مستقرا ومعترفا به عمليا.

وفي المقابل، تقول روايات محلية إن بلدية الرقة تعتبر كثيرا من هذه الأبنية “تعديات على أملاك الدولة”، وتستند إلى ذلك في قرارات الإزالة والتنظيم الحالية.

محاضر متنازع عليها

كما يثير الملف جدلا إضافيا بسبب وجود منشآت قائمة داخل المنطقة، من بينها معمل البطاطا ومعمل “التونسة” للكونسروة، والتي يقول السكان إنها أُنشئت استنادا إلى “محاضر تسليم مؤقتة”، ما يطرح تساؤلات حول الوضع القانوني لهذه المنشآت ومصيرها ضمن المخطط الجديد.

وقال أيوب المحمد، وهو من سكان المنطقة، إن “محاضر التسليم التي منحت للسكان في مراحل سابقة أصبحت اليوم موضع تشكيك”، رغم أن كثيرا من الأهالي بنوا منازلهم واستقروا فيها لعقود استنادا إلى تلك الوثائق.

وبحسب تقديرات محلية، تضم المنطقة أكثر من 3500 منزل، توزعت على مراحل مختلفة وتحولت مع الوقت إلى أحياء مكتظة تضم آلاف السكان.

رواية المحافظة

في مواجهة الغضب المتصاعد، أعلنت محافظة الرقة أن المحافظ عبد الرحمن سلامة عقد اجتماعا مع وفد من أهالي شمال السكة لشرح المشروع والاستماع إلى المطالب.

وقالت المحافظة، في بيان رسمي، إن المشروع يهدف إلى “تطوير الواقع الخدمي والعمراني وتحسين البنية التحتية”، مؤكدة أن الغاية “ليست إزالة البيوت أو التضييق على الأهالي، بل توفير بيئة أكثر أمانا واستقرارا”.

وأضاف البيان أن التعويض سيتم عبر شقق سكنية حديثة “تضمن الاستقرار والكرامة للعائلات”، مع التأكيد على عدم إخراج أي عائلة قبل تأمين البديل المناسب بشكل كامل.

حتى الآن، لم تنجح التطمينات الرسمية في تهدئة المخاوف داخل شمال السكة، حيث لا يزال السكان ينظرون إلى المشروع باعتباره نقطة تحول قد تعيد رسم الخريطة الاجتماعية والعمرانية للمنطقة، وتفتح من جديد أسئلة قديمة حول الأرض والملكية ومن يملك حق البقاء في المدينة.