في أحد أسواق حلب القديمة، كانت أمونة العلي تتنقل بين محال الألبسة ممسكة بيد طفلها الأصغر، فيما تراقب الأسعار المعلقة على الواجهات بصمت متكرر يشبه الخيبة. بعد ساعات من التجوال، غادرت السوق ببعض الألعاب الصغيرة فقط، بعدما أدركت أن كسوة العيد هذا العام باتت خارج قدرتها المالية.
تقول العلي إن الأسعار “لم تعد تشبه دخل الناس”، موضحة أنها اضطرت للتخلي عن شراء الملابس لأطفالها بسبب الغلاء ونقص السيولة. وتضيف: “حاولت ألا يشعر الأطفال بالحرمان، فاشتريت لهم ألعاباً بسيطة بدل الثياب”.
أسواق حلب أقل ضجيجاً
قبيل عيد الأضحى، تبدو أسواق مدينة حلب أكثر هدوءاً من المعتاد. الحركة التجارية التي كانت تملأ الشوارع والأسواق الشعبية في مثل هذا الوقت من كل عام تراجعت بشكل لافت، وسط شكاوى متزايدة من السكان والتجار على حد سواء من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل أزمة اقتصادية مستمرة وانخفاض قيمة الليرة السورية.
في سوق آخر من المدينة، يقف أبو حمدو، وهو مساعد مهندس متقاعد وأب لأربعة أطفال، محاولاً حساب ما يمكن شراؤه بأقل الخسائر الممكنة. يقول الرجل إن “الناس محتارة وضايعة، والسيولة مفقودة بين أيدي الناس”، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات باتت عاجزة عن تأمين مستلزمات العيد الأساسية.
ويوضح أن تكلفة كسوة الطفل الواحد تصل وسطياً إلى نحو 500 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر مع محدودية الدخل وضعف الرواتب. ويضيف: “بدل ما أشتري بدلتين لكل ولد، صرت أكتفي ببدلة واحدة فقط”.
هذا التراجع الحاد في القدرة الشرائية انعكس مباشرة على الأسواق، حيث يؤكد تجار أن الحركة الحالية تُعد من الأضعف منذ سنوات.
يقول عاكف حلاق، وهو تاجر ألبسة عاد إلى سوريا قادماً من ألمانيا بعد 15 عاماً من الاغتراب، إن “الأسواق تكاد تكون خالية من الناس”، موضحاً أن ارتفاع سعر صرف الدولار وتكاليف الاستيراد أثّرا بشكل مباشر على الأسعار وحركة البيع.
ويضيف: “السنة الماضية كان الدولار بحدود 9 آلاف ليرة، واليوم تجاوز 14 ألفاً، والقطعة التي كانت تكلفني 5 دولارات أصبحت اليوم بـ8 دولارات وأكثر”.
بحسب حلاق، فإن ارتفاع أسعار الأقمشة والرسوم الجمركية والضرائب، إضافة إلى تكاليف الإيجارات والعمالة، زاد من الضغوط على أصحاب المحال. ويقول: “القماش غلي، والجمارك والمالية والضرائب زادت علينا العناء أكثر، وحتى أجور الصناع والإيجارات أصبحت عبئاً كبيراً”.
ويشير إلى أنه عاد إلى سوريا “بعد التحرير مباشرة” بهدف العمل والمساهمة في إعادة بناء البلاد، مضيفاً أن استقرار سعر الصرف في البداية شجعه على افتتاح متجر للألبسة، قبل أن تتدهور الأوضاع الاقتصادية مجدداً.
ويتابع: “رجعنا حتى نشتغل ونساعد ببناء البلد، وكان الوضع بالبداية جيداً والدولار محافظاً على مستواه بين 8 و9 آلاف، لكن وصوله إلى 14 ألفاً أمر صعب وغير مقبول”.
كما ينتقد غياب التوضيحات الرسمية بشأن ارتفاع الأسعار، قائلاً: “نتفاجأ كل فترة بقرارات غلاء المازوت والكهرباء والدولار، من دون أن يخرج أحد لتوضيح أسباب الغلاء”.
في محل صغير لبيع الأحذية، يصف محمد فاعور حركة السوق بأنها “ضعيفة جداً”، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تناسب الرواتب مع تكاليف المعيشة الحالية.
ويقول إن ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من الغذاء إلى اللحوم والخضار، دفع كثيراً من العائلات إلى تأجيل شراء كسوة العيد أو الاستغناء عنها بالكامل.
ويشرح فاعور أن صناعة الأحذية تعتمد على عدة مواد أولية تتأثر مباشرة بتقلبات سعر الصرف، مضيفاً: “الحذاء يمر بعدة مراحل تجميع، من الوجه إلى النعل والقماش، وعدم استقرار الدولار يرفع تكلفة كل قطعة”.
كما يشير إلى أن الضرائب المفروضة على أصحاب المحال زادت من الأعباء المالية على التجار، موضحاً أن ضريبة الدخل المقطوع المفروضة على متجره ارتفعت من أربعة ملايين إلى ستة ملايين ليرة سورية خلال فترة قصيرة.
في مدينة اعتادت أن تتحول فيها الأسواق إلى مساحة للاحتفال الجماعي قبل الأعياد، يبدو المشهد هذا العام مختلفاً. واجهات المحال المضيئة لا تنجح في جذب الزبائن كما في السابق، فيما يكتفي كثير من الأهالي بالتجول أو شراء الحد الأدنى من الاحتياجات، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يزداد قسوة عاماً بعد آخر.
وعند مغادرته السوق، يلخّص أبو حمدو حال كثير من العائلات بكلمات قصيرة تختلط فيها الحسرة بالأمل، قائلاً: “نحن لا نريد أكثر من أن نفرح أولادنا بالعيد مثل كل الناس… فقط نريد أن نعيش بكرامة، وأن نشعر أن الغد قد يكون أفضل”.