تشهد أسواق الحلويات في محافظة طرطوس، وتحديدا في مدينة بانياس، ركودا غير مسبوق مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، حيث قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية غير متناسبة مع القدرة الشرائية للمواطنين.
وتحولت “حلوى العيد” من طقس أساسي ومظهر من مظاهر البهجة إلى رفاهية غائبة عن معظم المنازل السورية، وسط تغيرات حادة في السلوك الاستهلاكي للمواطنين الذين استبدلوا شراء “الكيلوغرام” بالقطعة الواحدة لدى شرائح واسعة، أو شطب المادة كليا من قوائم الاحتياجات.
واجهات تلمع وجيوب فارغة
رغم التشكيلات الواسعة والمعروض الضخم الذي تزينت به واجهات المحلات في الأسواق الرئيسية، إلا أن حركة الإقبال سجلت تراجعا حادا بنسب قياسية مقارنة بالسنوات السابقة.
ويؤكد أصحاب المحلات والورشات أن جمود الأسواق ناجم عن الارتفاع الكبير في الكلف؛ إذ شهدت المواد الأولية الداخلة في صناعة الحلويات قفزات متتالية، وفي مقدمتها السمن الحيواني والمكسرات الفاخرة، وخاصة الفستق الحلبي، إلى جانب الارتفاع المستمر في تكاليف حوامل الطاقة كالمازوت والغاز الصناعي والكهرباء، ما وضع المنتجين بين خيارين: إما رفع الأسعار لتغطية الكلف أو الإغلاق.
ورقميا، تشير جولة في الأسواق إلى أن أسعار الحلويات سجلت أرقاما فلكية؛ حيث يتراوح سعر كيلو الحلويات الإكسترا أو الفاخرة (المشكلة والمصنوعة بالسمن الحيواني والفستق الحلبي) بين 600 ألف و900 ألف ليرة سورية، وهو رقم يتجاوز متوسط راتب الموظف الحكومي لعدة أشهر.
أما الأصناف المتوسطة (المصنوعة بالسمن النباتي أو المخلوط ومكسرات بديلة كالكاجو أو الفول السوداني) فتبدأ من 250 ألفا وتصل إلى 450 ألف ليرة، في حين سجلت الحلويات الشعبية كـ”البرازق” و”الغريبة” و”العجوة” أسعارا تتراوح بين 100 ألف و180 ألف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد.
الملاذ الأرخص رغم تحديات الطاقة
أمام هذا الواقع الاقتصادي الضاغط، وجدت العائلات السورية في “الصناعة المنزلية” بديلا وحيدا وملاذا يوفر ما يقارب 50% إلى 60% من قيمة المنتجات الجاهزة المطروحة في السوق. ورغم أن إعداد الحلويات منزليا بات يتطلب ميزانية خاصة أيضا، إلا أنه يظل الخيار الأقل ضررا على الجيوب الفارغة.
وتشير الحسابات التقريبية لكلفة إعداد كيلو المعمول المنزلي بالعجوة (التمر) باستخدام السمن النباتي إلى أنها لا تتجاوز 45 ألفا إلى 60 ألف ليرة سورية، شاملة الدقيق والسكر والسميد والوقود، وهي كلفة تعادل ثلث قيمة المعمول الجاهز في المحلات الشعبية، وتنخفض بأكثر من 80% عن الأصناف الفاخرة.
تحايل على الظروف وتقنين قسري
يعبر المواطنون عن عمق الفجوة بين الدخل والأسعار؛ إذ يقول أبو محمد، وهو رب أسرة وأب لأربعة أطفال، في حديث لمنصة سوريا 24: “دخول محلات الحلويات الشهيرة بات من الماضي ورفاهية لا نملك ثمنها مطلقا”.
وأضاف: “الكيلو الواحد من الحلويات الفاخرة بات يعادل راتب موظف لشهر كامل، ولذلك اتفقنا هذا العام على صناعة كمية محدودة جدا من معمول العجوة في المنزل بالاعتماد على السمن النباتي، فالهدف الأساسي هو إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال بأقل التكاليف الممكنة وبما يتناسب مع واقعنا”.
من جهتها، تشير أم سعيد، وهي موظفة حكومية، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى التحديات اللوجستية التي تواجه حتى الخيار المنزلي، قائلة: “حتى صناعة الحلوى في المنزل لم تعد سهلة أو متاحة بيسر بسبب الغياب الطويل للغاز والكهرباء وانقطاع التيار لساعات طويلة، لكننا نتحايل على هذه الظروف القاسية”.
وتابعت: “صرنا نلجأ كعائلة إلى الحلويات الباردة التي تعتمد على البسكويت والحليب ولا تحتاج إلى فرن، أو نذهب لخبز المعمول في الأفران العامة المحيطة بنا في الحي، والتي تقبل الخبز مقابل أجر مالي بسيط. الشراء من السوق ملغى تماما من حساباتنا هذا العام، فالأولويات القصوى الحالية هي لتأمين وجبات الطبخ الأساسية ولباس الأطفال بالحد الأدنى”.
ووسط كل ذلك، يقبل عيد الأضحى على السوريين بشكل عام وسط تبدل كامل في قائمة الأولويات المعيشية؛ حيث يفرض الغلاء القسري معادلة جديدة تتخلى فيها الأسر عن المظاهر الاحتفالية التقليدية لصالح الأساسيات الغذائية والدوائية، لتبقى صناعة الحلويات البسيطة في المنازل أو الأفران العامة آخر خطوط الدفاع عن بهجة العيد المفقودة في الأسواق.
