بين مدن أعزاز وتل رفعت ومارع في ريف حلب الشمالي، تقع قرية عين دقنة في موقع جغرافي جعلها على مر السنوات نقطة وصل بين أهم مناطق الشمال، قبل أن تتحول بفعل الحرب إلى قرية منكوبة يلفها الدمار والصمت، وتنتظر اليوم فرصة للعودة إلى الحياة.
لم تسلم القرية من تداعيات سنوات الصراع التي جعلتها خط تماس في أكثر من مرحلة، بدءا من معارك محيط مطار منغ العسكري، مرورا باشتباكات تنظيم داعش، وصولا إلى المواجهات بين الجيش الحر وقوات سوريا الديمقراطية، ما حولها إلى ساحة حرب مفتوحة دفعت فيها البنية المدنية والبشرية ثمنا باهظا.
وتسببت تلك المعارك بدمار واسع طال مختلف مرافق الحياة في القرية، حيث خرج المسجد عن الخدمة بشكل كامل، وتحولت المدرسة إلى بناء متضرر غير صالح للاستخدام، فيما انهارت البنية التحتية الأساسية بشكل شبه كامل، في ظل غياب أي خدمات حيوية تدعم عودة السكان.
ورغم توقف العمليات العسكرية في المنطقة، ما تزال عين دقنة غير مؤهلة لاستقبال سكانها، نتيجة انتشار الألغام ومخلفات الحرب والأنفاق، إضافة إلى حجم الدمار الكبير الذي يطوق القرية ويحول دون استقرار العائلات فيها.
وبحسب الأهالي، يبلغ عدد عائلات القرية نحو 120 عائلة، إلا أن العودة بقيت محدودة للغاية، حيث لم تتمكن من الاستقرار فيها سوى ثلاث عائلات فقط، بينما يواصل معظم السكان حياتهم في مخيمات وبيوت مستأجرة داخل مدينة أعزاز ومدينة حلب، بانتظار ظروف تسمح بالعودة الآمنة.
ويطالب أهالي القرية المنظمات الإنسانية والجهات الخدمية المعنية بضرورة التدخل العاجل، عبر تنفيذ مشاريع لإزالة الألغام وتأهيل البنية التحتية وإعادة إعمار المرافق العامة، مؤكدين أن غياب هذه الخدمات يبقي القرية خارج أي إمكانية فعلية للعودة.
ويقول إبراهيم صالح عيدو لـ”سوريا 24“، وهو أحد أبناء القرية، إن عين دقنة تعيش حالة من التهميش رغم موقعها الحيوي وتاريخها خلال سنوات الحرب، مشيرا إلى أنها كانت تشكل نقطة وصل استراتيجية بين تل رفعت وأعزاز ومارع، لكنها تعرضت لقصف متكرر خلال سنوات الحرب، خاصة في محيط مطار منغ العسكري، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة.
ويضيف عيدو أن معظم الأهالي اضطروا إلى مغادرة منازلهم واستئجار مساكن في مناطق مجاورة، قبل أن يعود لاحقا ليجد منزله مدمرا بالكامل، ما اضطره إلى وضع كرفان فوق أنقاض المنزل لإعادة الاستقرار بشكل بدائي.
ويصف الواقع الحالي في القرية بـ”المأساوي”، في ظل غياب شبه كامل للبنية الخدمية، وانعدام المدارس والمياه والكهرباء والمرافق العامة، ما يجعل العودة والاستقرار أمرا بالغ الصعوبة.
ويؤكد أن استمرار غياب مشاريع إعادة التأهيل والخدمات الأساسية يمنع عودة غالبية السكان، مشيرا إلى أن القرية لا تضم حاليا سوى عدد محدود جدا من العائلات العائدة، معظمها يعيش ظروفا صعبة.
ويختتم عيدو مناشدا الجهات المعنية، وعلى رأسها الحكومة ومحافظة حلب، ضرورة التدخل لإعادة تأهيل المدرسة والمسجد والبنية التحتية الأساسية، معتبرا أن تحسين الواقع الخدمي قد يشكل خطوة أولى نحو إعادة الحياة إلى القرية بعد سنوات طويلة من النزوح والدمار.
من جانبه، يقول نديم البرهو إنه عاد إلى عين دقنة فور “تحررها”، حاملا خيمته من مخيمات الرسالة في منطقة شمارين، على أمل بدء حياة جديدة في قريته التي اضطر إلى مغادرتها لسنوات بسبب الحرب.
لكن البرهو يوضح أن فرحة العودة لم تدم طويلا، إذ اصطدم العائدون بحجم الدمار الكبير وغياب كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية، ما جعل الاستقرار شبه مستحيل.
ويضيف أن الأهالي يضطرون إلى شراء المياه على نفقتهم الخاصة في ظل غياب شبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى عدم وجود مدارس أو مراكز صحية، ما يزيد من معاناة العائلات، خصوصا الأطفال وكبار السن.
كما يشير إلى أن أقرب مدينة للحصول على الاحتياجات الأساسية تبعد نحو سبعة كيلومترات عن القرية، وهو ما يضيف أعباء يومية إضافية على السكان.
ويختم البرهو حديثه بمناشدة الجهات المعنية والحكومة بالالتفات إلى واقع القرية المنكوبة، والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية وتأمين الخدمات الأساسية، مؤكدا أن استمرار هذا الوضع يعيق عودة مزيد من العائلات ويؤخر إمكانية استعادة الحياة في عين دقنة.











