أطلقت السلطات المحلية في حلب حملة تنظيمية جديدة تستهدف الإشغالات العامة والمخالفات الخدمية، عبر قرار رفع بدلات الأضرار والغرامات المالية على طيف واسع من المخالفات المرتبطة بالنظافة العامة والباعة الجوالين ومكاتب السيارات والتعديات على الأملاك العامة.
القرار، الذي أثار نقاشاً واسعاً بين الإعلاميين والمواطنين خلال لقاء عقده مجلس مدينة حلب بحضور نائب المحافظ، يعكس توجهاً رسمياً نحو تشديد الرقابة في مدينة لا تزال تعاني من تحديات خدمية متراكمة بعد سنوات طويلة من الحرب والتدهور العمراني.
لكن السؤال الذي طُرح مراراً خلال اللقاء لم يكن متعلقاً بقيمة الغرامات بقدر ما كان مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على تطبيقها فعلياً، في ظل تجارب سابقة شهدت صدور قرارات مشابهة دون أن تترك أثراً ملموساً في الشارع.
وخلال النقاش، برزت تساؤلات حول بعض البنود الجديدة، ولا سيما المادة المتعلقة بمنع تربية الحيوانات والمواشي والطيور داخل الأبنية والأحياء السكنية. ورداً على ذلك، أوضح علي حلاق، عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة حلب، أن القرار لا يشمل الحيوانات المنزلية كالقطط والكلاب، وإنما يستهدف تربية المواشي والدواجن والحيوانات التي تتسبب بإشغالات أو أضرار ضمن المناطق السكنية.
وأكد حلاق أن تنفيذ القرار سيُسبق بحملة توعوية وجولات ميدانية وإنذارات للمخالفين قبل الانتقال إلى تنظيم الضبوط وفرض الغرامات.
من ضابطة مركزية إلى خمس ضابطات ميدانية
من جهته، قال المهندس ملهم عكيدي عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب لموقع سوريا 24 إن المجلس اعتمد آلية جديدة للتنفيذ تقوم على خمس ضابطات لا مركزية موزعة على قطاعات المدينة المختلفة، بدلاً من الضابطة المركزية الواحدة المعمول بها سابقاً.
وبحسب عكيدي، تضم هذه الضابطات ممثلين عن الجهات الأمنية والخدمية والرقابية، في محاولة لتعزيز القدرة على متابعة المخالفات ميدانياً وتسريع إجراءات المعالجة.
وأشار إلى أن المجلس يسعى إلى تطبيق ما وصفه بـ”العدالة المكانية” بين أحياء المدينة، من خلال توزيع الخدمات والرقابة بشكل متوازن، لافتاً إلى أن المشكلات الخدمية لا ترتبط فقط بالسلوكيات المخالفة، بل أيضاً بنقص الآليات والتجهيزات والبنية التحتية التي تراكمت مشكلاتها على مدى سنوات.
وأضاف أن المجلس عمل خلال الفترة الماضية على زيادة عدد الحاويات وصيانة الآليات وتحسين خدمات ترحيل النفايات بالتوازي مع تشديد الرقابة على المخالفات.
غرامات متدرجة ومصادرات وإغلاقات
بحسب الوثائق الرسمية التي اطلع عليها موقع “سوريا 24″، تتراوح الغرامات الجديدة بين عشرات آلاف الليرات وعشرات الملايين، وفق طبيعة المخالفة وتكرارها.
ففي ملف البسطات والإشغالات العامة، حدد القرار بدل أضرار بقيمة مليون ليرة للمخالفة الأولى، يرتفع إلى خمسة ملايين ليرة عند التكرار، مع مصادرة محتويات البسطة أو الإشغال لحين تسوية المخالفة.
أما التعديات على الأملاك العامة، فتبدأ غراماتها من ثلاثة ملايين ليرة، وقد تصل إلى 75 مليون ليرة سورية في حالات التكرار، مع إحالة المخالف إلى القضاء.
وشملت الإجراءات أيضاً مكاتب السيارات غير المرخصة، حيث فرضت غرامة مليون ليرة للمخالفة الأولى وخمسة ملايين عند التكرار، مع إغلاق المكتب لمدة 45 يوماً في المخالفة الثانية، وصولاً إلى إلغاء الترخيص نهائياً في حال تكرار المخالفة.
كما نص القرار على مصادرة البضائع الموضوعة خارج المحال التجارية المخالفة، وفرض بدلات أضرار تبدأ من 500 ألف ليرة على إشغالات الأرصفة والفضاءات العامة.
النظافة العامة تحت المجهر
حظيت مخالفات النظافة بحصة كبيرة من القرار الجديد، حيث فُرضت غرامات على مجموعة واسعة من السلوكيات اليومية، بينها رمي النفايات في غير الأماكن المخصصة، وإلقاء القمامة خارج الحاويات، ورمي أعقاب السجائر ومخلفات الطعام في الشوارع والساحات العامة.
وتضمنت القائمة أيضاً مخالفات تتعلق بإلقاء الأنقاض ومخلفات البناء في أماكن غير مخصصة، وتسريب مياه المكيفات إلى الأرصفة، وغسل السيارات في الطرقات العامة، وإعاقة أعمال النظافة أو تفريغ الحاويات.
وفيما يتعلق بتربية المواشي والطيور والدواجن داخل الأحياء السكنية، حدد القرار غرامة قدرها 500 ألف ليرة سورية.
الذبح خارج المسالخ والباعة الجوالون
وشمل القرار كذلك فرض غرامة قدرها مليون ليرة سورية على عمليات الذبح خارج المسالخ المعتمدة، ترتفع إلى مليوني ليرة عند التكرار.
أما الباعة الجوالون والعاملون في تجارة الخردة، فتبدأ الغرامات بحقهم من 300 ألف ليرة وتصل إلى 500 ألف ليرة عند التكرار، مع إمكانية مصادرة الآليات أو المعدات المستخدمة لمدة تصل إلى خمسة عشر يوماً.
بين الردع والتنظيم
يؤكد مسؤولو مجلس المدينة أن الهدف من القرار لا يقتصر على فرض العقوبات، بل يتصل بمحاولة إعادة تنظيم الفضاء العام ومعالجة الملفات الخدمية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها الإشغالات العامة والنظافة والباعة الجوالون والتعديات على الأملاك العامة.
وفي هذا السياق، أعلن المجلس العمل على تطوير منصة إلكترونية لتلقي الشكاوى ومتابعتها، إلى جانب تخصيص مكاتب للشكاوى في مجلس المدينة والمديريات الخدمية.
كما أكد المسؤولون أن معالجة ملف البسطات ستترافق مع توفير أسواق ومواقع بديلة للباعة، بعضها دائم وبعضها موسمي أو أسبوعي، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات التنظيم الحضري والحفاظ على مصادر رزق العاملين في هذا القطاع.
ويبقى نجاح القرار، في نظر كثير من سكان المدينة، مرهوناً بمدى قدرته على الانتقال من النصوص واللوائح إلى التطبيق الفعلي في الشارع، حيث ستشكل الأشهر المقبلة الاختبار الحقيقي لجدوى هذه الإجراءات وأثرها على المشهد الخدمي في حلب.