رغم موسم مطري تجاوز معدلاته السنوية المعتادة، لا تبدو أزمة المياه في محافظة درعا قد أصبحت جزءاً من الماضي، فبين سدود لم تمتلئ كما كان مأمولاً، وشبكات متهالكة، وآبار جوفية تتعرض لاستنزاف متزايد، يجد السكان أنفسهم أمام واقع مائي لا يزال هشاً مع اقتراب أشهر الصيف الأكثر حرارة.
يقول هاني العبد الله، مدير الموارد المائية في درعا، لموقع سوريا 24 إن المحافظة سجلت هذا العام هطولات مطرية تجاوزت 100 في المئة من المعدل السنوي، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على الزراعة البعلية التي تعتمد على مياه الأمطار. غير أن وفرة الهطولات لم تتحول تلقائياً إلى وفرة في المخزون المائي.
فبحسب العبد الله، بلغ إجمالي كميات المياه المخزنة في سدود المحافظة نحو 14 مليون متر مكعب فقط، توزعت بشكل غير متوازن بين السدود. فقد حققت بعض المنشآت، مثل سد تسيل وسد غدير البستان، مستويات تخزين مقبولة، بينما بقيت سدود أخرى عند مستويات متواضعة، فيما لم تستقبل بعض السدود أي جريانات مائية تذكر خلال الموسم.
ويفسر المسؤول ذلك بأن المحافظة خرجت من عام شديد الجفاف، الأمر الذي جعل التربة تستوعب جزءاً كبيراً من الهطولات الأولى لتعويض النقص الرطوبي المتراكم. كما أن الأمطار، رغم كثرتها الإجمالية، جاءت على فترات متقطعة ولم تترافق مع عواصف مطرية كافية لإحداث جريانات كبيرة في الأودية والروافد المغذية للسدود.
ومع اقتراب الصيف، تحاول مديرية الموارد المائية الموازنة بين حاجات الشرب ومتطلبات القطاع الزراعي. لذلك جرى الحد من التوسع في بعض الزراعات الصيفية في المناطق ذات المخزون المحدود، مع إعطاء الأولوية للأشجار المثمرة، ولا سيما الزيتون والرمان واللوزيات والعنب، باعتبارها محاصيل طويلة الأجل يصعب تعويض خسائرها.
لكن خلف هذه الأرقام والخطط، تبدو الصورة مختلفة في الأحياء السكنية والقرى المنتشرة في المحافظة. تقول رابعة، وهي من سكان درعا، إن المياه تصل إلى منزلها مرة كل أربعة أو خمسة أيام، مضيفة أنها عند تأخر الضخ تضطر العائلة إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة. وتوضح أن تكلفة تعبئة الصهريج تصل إلى نحو 50 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ إضافي يفرض نفسه على ميزانية الأسرة.
أما صفاء فتشير إلى أن المياه لا تصل إلى حيها سوى مرة واحدة أسبوعياً، ما يدفع الأهالي إلى شراء كميات إضافية لتغطية احتياجاتهم اليومية. وتضيف أن سعر المتر المكعب من المياه المنقولة بالصهاريج يبلغ نحو 40 ألف ليرة سورية.
في المقابل، يوضح مرعي أن منطقته تحصل على المياه كل أربعة أو خمسة أيام تقريباً، إلا أن السكان تمكنوا من التكيف مع هذا الواقع عبر الاعتماد على خزانات كبيرة لتخزين المياه عند توفرها.
ويشير إلى أن أسعار المياه تختلف من منطقة إلى أخرى، كما ارتفعت خلال الفترة الأخيرة بفعل زيادة تكاليف المحروقات والنقل.
وتدلل هذه الشهادات على مجموعة من التحديات التي تواجهها المحافظة، حتى في السنوات التي توصف بأنها جيدة مطرياً. فالمشكلة، بحسب العبد الله، لا ترتبط بكمية المياه وحدها، بل أيضاً بقدرة البنية التحتية على إيصالها إلى المستهلكين.
ويؤكد أن شبكات المياه ومحطات الضخ تعاني من تقادم كبير، وأن جزءاً مهماً منها يحتاج إلى إعادة تأهيل أو استبدال. كما تؤدي الأعطال المتكررة والتعديات على خطوط الشبكات إلى زيادة الفاقد المائي وإضعاف ضغط المياه، خصوصاً في المناطق البعيدة والمرتفعة.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، فالحفر العشوائي للآبار بات يشكل، وفق مدير الموارد المائية، أحد أخطر التهديدات للأمن المائي في المحافظة. فقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عمليات الحفر غير المرخصة، ما أدى إلى استنزاف مستمر للمياه الجوفية التي تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويض ما تفقده.
ويحذر العبد الله من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى تراجع المخزون الجوفي وانعكاسات مباشرة على مياه الشرب والإنتاج الزراعي، مشيراً إلى أن المديرية نفذت خلال الفترة الماضية حملات لمصادرة حفارات مخالفة، وتنظيم ضبوط بحق المخالفين، وإحالة عدد من القضايا إلى القضاء، إضافة إلى ردم آبار حفرت بصورة غير قانونية.
ورغم هذه الإجراءات، يقر المسؤول بأن الحلول الحالية تبقى جزئية ومحدودة إذا لم تترافق مع مشاريع استراتيجية قادرة على معالجة جذور الأزمة. ومن بين هذه المشاريع، يبرز ملف معالجة مياه الصرف الصحي، الذي يراه أحد أهم الخيارات المتاحة لتأمين مصادر إضافية للري وتقليل الضغط على المياه الجوفية.
ويشير إلى أن إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة يمكن أن تخفف من استنزاف الموارد التقليدية، وتوفر مورداً إضافياً للمزارعين، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وارتفاع الطلب على المياه.
وفي مواجهة احتمال التعرض لموجات جفاف أو حرارة شديدة خلال الصيف، تؤكد مديرية الموارد المائية أنها وضعت إجراءات إسعافية وخططاً بديلة للتعامل مع أي نقص محتمل.
غير أن العبد الله يلفت إلى أن نجاح هذه الجهود يعتمد أيضاً على تعاون السكان والمزارعين في ترشيد الاستهلاك والحد من الهدر.
في محافظة اعتادت خلال السنوات الأخيرة التنقل بين مواسم الجفاف والمواسم الممطرة، لا يبدو الأمن المائي مرتبطاً فقط بما يهطل من السماء، بل بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد المتاحة، وتطوير البنية التحتية، ومنع الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.
وبين أمطار وفيرة نسبياً هذا العام ومخاوف متجددة مع كل صيف، تبقى المياه إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة لسكان درعا ومستقبلها الزراعي.