الشيوخ فوقاني: عودة محدودة وسط دمار واسع وانهيار للخدمات

حجم الخط

يبرز واقع بلدة الشيوخ فوقاني في ريف حلب الشرقي كأحد أبرز نماذج القرى التي ما تزال تعاني آثار سنوات التهجير، حيث سجّلت عودة محدودة للأهالي في ظل دمار واسع طال المنازل والبنية التحتية، وانهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية.

وقال قاسم الحمو، رئيس بلدية الشيوخ فوقاني، لـ”سوريا 24”، إن “عودة الأهالي ما تزال ضعيفة إلى متوسطة، وترتبط بشكل مباشر بتوفر مقومات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى الوضع الأمني وضرورة إزالة مخلفات الحرب”.

وأوضح الحمو أن عدد العائلات العائدة حتى الآن يتراوح بين 30 و40 عائلة فقط، بعد سنوات تهجير امتدت بين 8 و10 سنوات، ما يعكس بطء عودة الأهالي مقارنة بحجم الاحتياجات الهائل داخل البلدة.

ويواجه الأهالي العائدون، بحسب الحمو، تحديات معقدة، أبرزها انتشار مخلفات الحرب والألغام، وتدمير واسع في المنازل، وارتفاع كبير في تكاليف إعادة الإعمار، إلى جانب الانقطاع التام لخدمات المياه والكهرباء، وتضرر شبكات الصرف الصحي بشكل كبير، فضلاً عن ضعف فرص العمل وتراجع الواقعين التعليمي والصحي.

وأضاف أن واقع الخدمات في البلدة ما يزال في حده الأدنى؛ إذ يعتمد تأمين المياه على الصهاريج أو آبار ارتوازية مؤقتة بانتظار إعادة تأهيل الشبكة، فيما تغيب الكهرباء بشكل كامل نتيجة تدمير البنية الكهربائية من أعمدة وكابلات ومحولات. كما يعاني الصرف الصحي من أضرار جسيمة تتسبب بمشكلات بيئية وصحية، في حين تبقى خدمات النظافة محدودة رغم الجهود المحلية لتنظيف الطرق الرئيسية بإمكانات بسيطة.

وأشار الحمو إلى أن الطرق الرئيسية متضررة ومحفرة، فيما تحتاج شبكة المياه إلى إعادة تأهيل شاملة، مع وجود تغذية جزئية عبر خط عين العرب، بينما تعاني الاتصالات من ضعف واضح وغير مستقر.

وفيما يتعلق بالاحتياجات الأكثر إلحاحاً، أكد أن أولويات الأهالي تتمثل في إزالة الألغام، وتأهيل شبكة المياه، وإعادة الكهرباء، وترحيل الأنقاض، وإصلاح الصرف الصحي، وتعبيد الطرق وتنظيفها، إلى جانب إنشاء مركز صحي، وإعادة تأهيل المدارس، ومعالجة الأنفاق تحت الأرض.

وفي شهادة تعكس عمق المعاناة، قال أحمد إبراهيم العليو، أحد العائدين إلى البلدة، في حديثه لـ”سوريا 24”، إنه عاد بعد 12 عاماً من التهجير، وتحديداً في 15 شباط/فبراير 2024، مشيراً إلى أن مشاعره عند العودة كانت “مزيجاً من الفرح والحزن” أمام حجم الدمار الذي فاق التوقعات.

وأوضح العليو أن أول ما تبادر إلى ذهنه عند العودة هو فقدان أهالٍ فقدهم خلال سنوات التهجير، وذكريات الطفولة التي ارتبطت بأزقة البلدة وبيوتها.

وأضاف أن سنوات التهجير تركت أثراً عميقاً على حياة الأهالي، حيث عاد اليوم دون منزل أو قدرة على إعادة البناء، في ظل ارتفاع كبير في تكاليف إعادة الإعمار التي قد تصل إلى نحو 70 ألف دولار كحد أدنى للمنزل الواحد.

وبيّن أن أكثر ما كان يشتاق إليه خلال سنوات النزوح هو المنزل القديم، والحي، ومسجد الحارة، وشوارع البلدة بكل تفاصيلها.

ووصف العليو واقع الشيوخ فوقاني اليوم بأنه “مأساوي ومرير”، مع وجود منازل مدمرة كلياً، وأخرى شبه مدمرة، وثالثة غير صالحة للسكن، إلى جانب دمار شبه كامل في البنية التحتية.

وأوضح أنه لم يتمكن من العودة إلى منزله نتيجة الدمار الكامل الذي طال الجدران وآثار القصف، ما جعله غير صالح للسكن نهائياً.

وأشار إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجه الأهالي تتمثل في انعدام المياه والكهرباء وغياب الطرق الصالحة، إضافة إلى شبه غياب كامل للخدمات الأساسية، رغم الجهود التطوعية المحدودة من قبل البلدية.

وأكد أنه لا يوجد أي قطاع صحي داخل البلدة، باستثناء بعض الخدمات في الشيوخ التحتاني، مع غياب الصيدليات والمراكز الطبية داخل البلدة، في حين تعاني المدارس من دمار وسرقة وتخريب واسع يمنع عودة العملية التعليمية.

واعتبر العليو أن الظروف الحالية لا تشجع على عودة مزيد من الأهالي، في ظل غياب كامل لمقومات الحياة، قائلاً إن “الواقع الخدمي دون مستوى الصفر”.

وختم حديثه بالتأكيد على أن الأولويات تبدأ بتأمين المياه باعتبارها أساس الحياة، تليها الكهرباء، داعياً إلى تدخل عاجل لإعادة الخدمات وإحياء البلدة، معبّراً عن أمله بأن تستعيد الشيوخ فوقاني حياتها بشكل أفضل مما كانت عليه سابقاً من حيث البنية والخدمات والتعليم والاستقرار.