حين يصبح المنفى بطلاً للقصة.. فيلم سوري يحصد جائزة دولية عن تجربة اللجوء

حجم الخط

عندما بدأ فادي الحلبي وحسن قطان تصوير يومياتهما مع السنوات الأولى للثورة السورية، لم يكن المشروع يحمل اسماً أو تصوراً لفيلم وثائقي. كانت الكاميرا آنذاك وسيلة لفهم واقع يتشكل على نحو متسارع، ومحاولة للاحتفاظ بذاكرة أيام بدت أكبر من قدرة أصحابها على استيعابها.

بعد خمسة عشر عاماً، تحوّل ذلك الأرشيف الشخصي إلى فيلم وثائقي بعنوان “حلفاء في المنفى”، يروي رحلة صديقين وصانعي أفلام عبر الثورة والحرب والتهجير وصولاً إلى المنفى.

اكتمل العمل على الفيلم في نيسان/أبريل 2024، وعُرض للمرة الأولى في 30 كانون الثاني/يناير 2025، قبل أن يلفت انتباه عدد من المهرجانات والجهات الدولية المعنية بقضايا الهجرة وحقوق الإنسان.

وفي حزيران/يونيو 2026، تُوّج الفيلم بجائزة “Refugee Reporting Award” ضمن جوائز منظمة “One World Media” البريطانية، التي تكرّم الأعمال الصحفية والوثائقية المتميزة في تناول قضايا اللجوء والنزوح والهجرة.

غير أن الفيلم لا يروي الثورة السورية بوصفها سلسلة من الأحداث السياسية أو العسكرية فحسب، بل يقترب من آثارها البعيدة على حياة من عاشوها.

فمن خلال مواد صُورت على امتداد سنوات، تتشكل حكاية شخصية تتداخل فيها الصداقة مع الحرب، والذاكرة مع المنفى، والخسارة مع محاولة مستمرة للبحث عن معنى لما جرى.

يقول الحلبي لموقع سوريا 24 إن الفكرة انطلقت من أرشيف ضخم جرى جمعه على مدى سنوات طويلة. في البداية لم يكن التصوير موجهاً نحو صناعة فيلم، بل كان محاولة لفهم ما يحدث وتوثيق الحياة اليومية وسط التحولات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.

ومع تراكم المواد المصورة، اكتشف الصديقان أن ما تحتفظ به الكاميرا لا يوثق فقط مسار الثورة والحرب، بل يسجل أيضاً قصة صداقة طويلة وتجربة إنسانية مشتركة امتدت عبر سنوات من الخوف والفقد والنزوح.

لكن التحول الأكبر جاء بعد الوصول إلى المنفى. هناك تبدلت طبيعة المعاناة نفسها؛ فلم تعد الطائرات أو القصف تمثل التهديد اليومي، بل حل محلها الانتظار الطويل والإجراءات البيروقراطية والشعور بأن المستقبل أصبح رهينة قرارات إدارية لا يملك أصحابها سلطة التأثير فيها.

يقول الحلبي: “عندما وصلنا إلى مرحلة اللجوء وجدنا أنفسنا أمام نوع مختلف من المعاناة؛ لم تعد الطائرات والقصف هي التحدي اليومي، بل الانتظار والبيروقراطية والشعور بأن حياتك معلقة بقرار إداري”.

في تلك المرحلة تبلورت هوية الفيلم. فبدلاً من الوقوف عند حدود الحرب، اتجه العمل نحو استكشاف ما بعدها؛ ذلك الوجه الأقل ظهوراً في قصص اللجوء، حيث تمضي السنوات في الفنادق المخصصة لطالبي اللجوء، وبين الملفات والإجراءات القانونية، فيما يبقى المستقبل مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.

ويرصد الفيلم تأثير هذا الانتظار على العلاقات الإنسانية والصحة النفسية والإحساس بالانتماء، كما يطرح تساؤلات حول دور الفن والسينما في مواجهة المنفى وحماية الذاكرة من التآكل.

وبالنسبة للحلبي وقطان، لم تكن الكاميرا مجرد أداة توثيق، فقد تحولت مع مرور السنوات إلى ما يشبه “طوق نجاة” يسمح بفهم ما جرى والحفاظ على الذاكرة والاستمرار رغم الفقد. ويقول الحلبي إن التصوير منح صاحبيه فرصة لاستعادة صوتهما في لحظات بدت فيها الحياة معلقة بين الحدود والانتظار.

ويضيف أن كثيراً من الأفلام تناولت تجربة اللجوء من الخارج، بينما يحاول “حلفاء في المنفى” روايتها من الداخل، من وجهة نظر أشخاص عاشوا الحرب والنزوح والمنفى بأنفسهم.

ولا ينظر الحلبي إلى الجائزة باعتبارها اعترافاً فنياً فحسب. ففي كلمته عقب التكريم، أهدى الجائزة إلى أفراد عائلته الذين فقدهم في زلزال تركيا، “إلى الغياب الذي لا يمر يوم دون أن يترك أثره في القلب”، كما قال.

كما أهداها إلى شهداء الثورة السورية و”شهداء الحقيقة الذين حملوا الكاميرا والقلم والكلمة الحرة، ودفعوا أثماناً باهظة لأنهم آمنوا بحق الناس في أن تُروى قصصهم وأن يُسمع صوتهم”.

وامتد الإهداء ليشمل المهجرين واللاجئين والباحثين عن بداية جديدة بعيداً عن أوطانهم، قائلاً: “إلى أولئك الذين حملوا أوطانهم في ذاكرتهم ومضوا، ليس لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأن الظروف دفعتهم إليه”.

ويرى الحلبي أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في الجائزة نفسها، بل في قدرة الفيلم على إيصال أصوات اللاجئين إلى جمهور أوسع، وإعادة النظر إليهم بوصفهم أفراداً يحملون ذكريات وأحلاماً ومستقبلاً، لا مجرد أرقام في الإحصاءات أو ملفات داخل أنظمة الهجرة.

في النهاية، يبدو “حلفاء في المنفى” أقل انشغالاً بسرد الحرب مما هو معني بما تتركه خلفها. فالقصة لا تتوقف عند لحظة المغادرة، بل تبدأ منها؛ حيث يستمر البحث عن مكان جديد للحياة، فيما يبقى الوطن حاضراً في الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.