تواجه مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي تحديات كبيرة فرضتها سنوات الحرب، في وقت تسعى فيه المجالس المحلية والجهات الداعمة إلى تحسين الواقع الخدمي وتهيئة الظروف المناسبة لعودة المزيد من الأهالي إلى مدينتهم.
زكريا جقل، رئيس المجلس المحلي للمدينة، يقول إن عدد سكان المدينة بلغ حالياً نحو 75 ألف نسمة، بعد عودة نحو 20 بالمئة منهم، أما النازحون الذين استقبلتهم المدينة وأقاموا فيها فتصل نسبتهم إلى نحو 15 بالمئة.
ورغم الكثافة السكانية، فإن الصعوبات التي تواجه العائدين تتمثل في دمار المنازل، وضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع الإيجارات، وقلة فرص العمل، إلى جانب صعوبة تأمين المياه والكهرباء ونقص المدارس المجهزة، وهي عوامل ما تزال تؤثر على قرار الكثير من الأهالي بالعودة والاستقرار.
وأوضح جقل أن المجلس المحلي يعمل، بالتعاون مع الجهات الداعمة، على تنفيذ مشاريع من شأنها تشجيع العودة، من بينها ترميم المنازل المتضررة، ودعم الأفران، وتأهيل شبكات المياه، إلا أن حجم الاحتياجات ما يزال أكبر من الإمكانات المتاحة.
تمكن أبو محيي الدين، وهو أحد سكان المدينة، من ترميم منزله في دارة عزة بشكل جزئي، بينما ما يزال منزله في منطقة الحجر الأسود بدمشق بحاجة إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة تأهيله، وهو أمر يفوق إمكاناته الحالية.
ويرى أن الواقع المعيشي في المدينة يفرض على الأهالي أعباءً ثقيلة في ظل ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة.
يقول في حديثه إلى سوريا 24 إن شريحة واسعة من الأهالي تعتمد على العمل اليومي لتأمين احتياجاتها الأساسية، مضيفاً: “من لا يعمل لا يأكل”، بينما لا تتجاوز نسبة العائلات التي تعيش في ظروف مستقرة سوى نسبة محدودة، في حين يمكن وصف أوضاع نحو 40 بالمئة من السكان بالمتوسطة.
ويشير إلى أن معاناة أسر الشهداء والمصابين وذوي الإعاقة تبقى أكثر قسوة، في ظل احتياجات متزايدة ودعم لا يرقى إلى حجم التضحيات التي قدمتها تلك العائلات خلال سنوات الحرب.
وطالب بأن تكون الأولويات اليوم متجهة إلى الاهتمام بأسر الشهداء والمصابين، وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين من خلال تفعيل ضخ المياه عبر الشبكة العامة، وتأمين دعم مستقر للمشافي والمراكز الصحية، إضافة إلى تشغيل خدمة الإنترنت الضوئي بعد وصول الكبل الضوئي إلى داخل المدينة دون الاستفادة منه حتى الآن.
أزمة مياه وخدمات محدودة
تعاني مناطق ريف حلب الغربي بشكل عام من شح المياه وساعات تشغيل محدودة للشبكات، ما يدفع السكان إلى الاعتماد بشكل كبير على الصهاريج لتأمين احتياجاتهم اليومية.
وبيّن أن من أبرز المشاريع التي جرى تنفيذها خلال الفترة الماضية مشروع إنارة مدخل المدينة ومشروع “صفر حفرة”، ويشير جقل إلى أنه يهدف إلى تحسين واقع الطرق داخل المدينة.
وأكد أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً حالياً تتمثل في تأمين المياه، وترميم المدارس، وخلق فرص عمل، ودعم القطاع الزراعي، إضافة إلى ترحيل الأنقاض المتراكمة في عدد من الأحياء.
وفيما يتعلق بالتواصل مع المواطنين، أوضح أن المجلس المحلي يستقبل الشكاوى بشكل يومي عبر مكاتبه المختلفة، كما خصص يوم السبت من كل أسبوع لاستقبال شكاوى الأهالي ومتابعة مطالبهم بشكل مباشر.
بنية تحتية متضررة
تعرضت مدينة دارة عزة خلال سنوات الحرب لقصف متكرر تسبب بأضرار متفاوتة في الطرق الرئيسية والفرعية، ولا سيما عند مداخل المدينة، وفق جقل.
وأضاف أن مشاريع تأهيل الطرق وشبكات الصرف الصحي تُنفذ غالباً على مراحل ووفق التمويل المتاح من المنظمات الداعمة، في ظل غياب خطط واسعة النطاق لإعادة تأهيل البنية التحتية بشكل كامل. فيما يواجه ملف النظافة تحديات مستمرة نتيجة نقص الآليات والمحروقات، الأمر الذي ينعكس على عمليات ترحيل النفايات في بعض المناطق.
مدارس مكتظة وقطاع صحي محدود
وفي قطاع التعليم، أوضح رئيس المجلس المحلي أن المدارس العاملة تعتمد في كثير من الأحيان نظام الدوامين لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، إلا أن الصفوف ما تزال تعاني من الاكتظاظ ونقص التجهيزات.
وتواجه المؤسسات التعليمية نقصاً في الكوادر الاختصاصية والمقاعد ووسائل التدفئة، ما ينعكس على جودة العملية التعليمية.
أما في القطاع الصحي، فتضم المدينة مستوصفاً واحداً، ومستشفى الكنانة، ومستشفى الفردوس، ومستشفى خاصاً لغسيل الكلى، وجميعها مدعومة من مؤسسات غير حكومية.
ورغم ذلك، يؤكد جقل أن الإمكانات الطبية المتوفرة ما تزال غير كافية لتغطية جميع الحالات، حيث يتم تحويل الحالات المرضية المعقدة إلى محافظة إدلب أو إلى تركيا لتلقي العلاج.
يرى أهالٍ تحدثنا إليهم أن الخدمات التي يقدمها مستشفى الكنانة، من خلال العيادات الخارجية والأقسام الداخلية والعناية الطبية، مهمة، لافتين إلى أن المشفى لعب دوراً محورياً خلال سنوات الثورة والتحرير باعتباره نقطة طبية رئيسية في المنطقة، إلا أن استمرار خدماته يبقى مرتبطاً بتوفر التمويل والدعم.
وأضافوا أن المستوصف الطبي في المدينة يساهم في تلبية جزءٍ من الاحتياجات الصحية للسكان، إلا أن القطاع الصحي عموماً يحتاج إلى دعم أكثر استقراراً واستدامة.
بينما طالب أبو محيي الدين بافتتاح مركز للعلاج الفيزيائي ومركز متخصص لخدمة ذوي الإعاقة داخل المدينة، يخفف عن الأهالي أعباء التنقل إلى مناطق أخرى للحصول على هذه الخدمات.
الزراعة بين نقص المياه وارتفاع التكاليف
وتُعد دارة عزة من المناطق الزراعية المعروفة بإنتاج الزيتون والقمح، إلا أن القطاع الزراعي يواجه تحديات متزايدة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة، ونقص المياه، وتضرر شبكات الري.
رغم ذلك، ما يزال الدعم المقدم للمزارعين محدوداً، ويأتي غالباً عبر مشاريع موسمية تنفذها منظمات إنسانية، تشمل توزيع البذار أو قسائم المحروقات وبعض المستلزمات الزراعية، في ظل غياب برامج دعم حكومية ثابتة.
مشاريع مرتقبة
وحول خطط المجلس المحلي للفترة المقبلة، كشف جقل عن العمل على تأهيل شبكة المياه، وتعبيد الطرق، وترميم المدارس، ودعم الأفران، واستكمال مشروع مد الكبل الضوئي لتحسين خدمات الاتصالات والإنترنت.
وختم رئيس المجلس المحلي حديثه بالتأكيد على أن دارة عزة بحاجة إلى مزيد من الدعم لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص عمل حقيقية، بما يسهم في تشجيع المزيد من الأهالي على العودة والاستقرار في مدينتهم بعد سنوات طويلة من النزوح والتهجير.
ويأمل أهالي دارة عزة اليوم رؤية خطوات عملية وحقيقية لدعم المشاريع الصغيرة والتنموية، بما يساهم في تحسين الواقع الاقتصادي ويوفر فرص عمل للسكان، بعيداً عن المشاريع المؤقتة أو الأنشطة التي تقتصر على التوثيق الإعلامي دون أثر ملموس على حياة الناس.

