في ظل التحديات الهائلة التي تواجه قطاع البناء في سوريا بعد سنوات من الحرب والدمار، تتجه الأنظار نحو الحلول الهندسية الحديثة القادرة على تسريع عملية إعادة الإعمار وتحقيق أعلى معايير الجودة والاستدامة. وفي هذا السياق، يبرز نظام الخرسانة مسبقة الصب بوصفه أحد أبرز الخيارات المطروحة، لما يوفره من سرعة في التنفيذ، وكفاءة في التكاليف، وقدرة على تلبية الاحتياجات العمرانية المتزايدة خلال المرحلة المقبلة.
خطة طموحة لإدخال تقنيات البناء الحديثة
كشف المهندس محمود سوسق، مدير قسم الإنشاءات في شركة “الراشد أبيتونج”، إحدى أكبر شركات الخرسانة مسبقة الإجهاد والصب في الشرق الأوسط، عن مشروع استراتيجي يهدف إلى اعتماد نظام الخرسانة مسبقة الصب في سوريا، باعتباره نموذجاً متطوراً للبناء يتناسب مع متطلبات إعادة الإعمار وحجم الأضرار التي خلفتها سنوات الحرب.
وأوضح سوسق أن هذه التقنية تعتمد على تصنيع العناصر الإنشائية داخل مصانع متخصصة تخضع لرقابة دقيقة، قبل نقلها إلى مواقع التنفيذ وتركيبها مباشرة، الأمر الذي يختصر مراحل البناء التقليدية ويعزز جودة المنتج النهائي.
تقنية تقلص زمن التنفيذ بنسبة 70%
وفي حديث خاص لـ”سوريا 24”، وصف سوسق نظام الخرسانة مسبقة الصب بأنه “ثورة حقيقية في مفهوم البناء”، مؤكداً أن هذه التقنية قادرة على تقليص مدة تنفيذ المشاريع بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالأساليب التقليدية.
وقال إن تصنيع المكونات الإنشائية داخل المصانع يضمن مستويات عالية من الجودة والدقة الهندسية، ويحد من الأخطاء التنفيذية التي قد تحدث في مواقع العمل، مضيفاً أن اعتماد هذا النظام يمثل بداية مرحلة جديدة في مسار إعادة إعمار سوريا.
مصنع ضخم بطاقة إنتاجية عالية
وأشار سوسق إلى أن المشروع يتضمن إنشاء مصنع متخصص لإنتاج عناصر “البريكاست” بطاقة إنتاجية تتراوح بين 900 و1800 متر مكعب يومياً، على مساحة لا تقل عن 100 دونم، في إحدى المدن الصناعية الكبرى، مثل عدرا أو حسياء.
وبحسب الدراسات الأولية، سيتمكن المصنع من إنجاز ما بين 10 و12 فيلا سكنية يومياً، إضافة إلى تنفيذ طابق كامل في مركز تجاري خلال أسبوع واحد فقط. ومع التوجه المتزايد نحو البناء العمودي، يمكن تنفيذ أكثر من 2200 متر مربع يومياً في المباني متعددة الطوابق، بما يضمن سرعة إنجاز استثنائية وجودة تنفيذ عالية.
وأشار إلى أن المباني المنفذة بهذه التقنية تتمتع بمقاومة عالية للزلازل، فضلاً عن عمر افتراضي يتجاوز 75 عاماً، ما يجعلها خياراً مناسباً للمشاريع السكنية والخدمية طويلة الأمد.
تجارب ناجحة في دول الخليج
ولفت سوسق إلى أن تقنية الخرسانة مسبقة الصب أثبتت نجاحها في عدد من دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية، حيث أصبحت جزءاً أساسياً من مشاريع التنمية والتوسع العمراني.
وأعرب عن أمله في تبني هذه التجربة داخل سوريا خلال مرحلة إعادة الإعمار، مؤكداً استعداد الكفاءات والخبرات السورية للمساهمة في تنفيذ هذا التحول النوعي في قطاع البناء.
كما دعا إلى اعتماد هذه التقنية ضمن الخطط العمرانية الوطنية، والاستفادة من الكود الأمريكي للخرسانة مسبقة الصب (PCI)، إلى جانب الكود السوري، بما يضمن تطبيق أفضل الممارسات العالمية في تنفيذ المشاريع الكبرى.
مكاسب اقتصادية وعمرانية واسعة
وتشير الدراسات التي قدمها سوسق إلى أن المشروع يمكن أن يحقق مجموعة من الفوائد الاستراتيجية، من أبرزها تسريع تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار والإسكان، وإنشاء تجمعات سكنية حديثة وفق معايير موحدة، ورفع جودة المنشآت وتحسين مستويات السلامة الإنشائية، وتعزيز مقاومة الأبنية للزلازل والكوارث الطبيعية، وخفض استهلاك الطاقة من خلال أنظمة العزل الحراري المدمجة، إلى جانب توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط الصناعات المساندة وقطاع الخدمات اللوجستية، ودعم عودة المهجرين وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
ثلاثة نماذج مقترحة لتنفيذ المشروع
وطرح سوسق ثلاثة خيارات رئيسية لتنفيذ المشروع، تشمل:
إنشاء المصنع بملكية حكومية كاملة ضمن استثمارات الدولة في قطاع البناء.
إقامة شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، مع طرح جزء من الأسهم للاكتتاب العام.
منح المشروع لمستثمر خارجي بملكية كاملة، مقابل ضمان تخصيص مشاريع عمرانية واسعة تعتمد على هذه التقنية.
تحديات التمويل والبنية اللوجستية
ورغم المزايا الكبيرة التي يوفرها المشروع، أشار سوسق إلى وجود عدد من التحديات التي ينبغي التعامل معها لضمان نجاحه، وفي مقدمتها الكلفة التأسيسية المرتفعة، التي تتراوح بين 83 و160 مليون دولار.
وأوضح أن تجاوز هذه العقبة يتطلب شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص، تضمن تشغيل المصنع بكامل طاقته الإنتاجية لمدة لا تقل عن ست سنوات.
كما أشار إلى الحاجة إلى تأمين معدات نقل وتركيب ثقيلة، وإنشاء أسطول متخصص لنقل العناصر الخرسانية، إضافة إلى إعداد فرق هندسية متخصصة قادرة على تطوير تصاميم معيارية تزيد من كفاءة الإنتاج وتخفض التكاليف.
وتعد تقنية الخرسانة مسبقة الصب من أكثر أنظمة البناء انتشاراً في الدول المتقدمة، إذ تعتمد على تصنيع المكونات الإنشائية داخل المصانع، ثم نقلها وتركيبها في مواقع التنفيذ. وقد أثبتت هذه التقنية فعاليتها في مشاريع الإسكان والبنية التحتية والمجمعات التجارية والصناعية، لما توفره من سرعة في الإنجاز، وجودة في التنفيذ، وتقليل للهدر في المواد والموارد.
ويرى مختصون أن اعتماد تقنيات البناء الحديثة، وعلى رأسها الخرسانة مسبقة الصب، قد يشكل نقطة تحول مهمة في ملف إعادة إعمار سوريا، ولا سيما في ظل الحاجة إلى إنجاز مشاريع سكنية وخدمية ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة. وبينما تبقى تحديات التمويل والتنفيذ قائمة، فإن نجاح هذا المشروع من شأنه أن يؤسس لنهضة عمرانية واقتصادية واسعة، تسهم في إعادة بناء المدن المتضررة، وتوفير بيئة أكثر استقراراً واستدامة للأجيال القادمة.
وبحسب الدراسات الأولية، تُقدَّر المدة الزمنية اللازمة لإنجاز المشروع، بعد استكمال الدراسات الفنية وتأمين التمويل واعتماد المخططات التنفيذية، بنحو 240 يوم عمل.
