في محطات الوقود وأمام مراكز توزيع المحروقات في مدينة حلب، بدا قرار خفض أسعار المشتقات النفطية محل ترحيب حذر بين المواطنين. وبينما اعتبر كثيرون أن أي تراجع في أسعار المازوت والبنزين يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، رأى آخرون أن التخفيض لا يزال محدودًا، ولم ينعكس حتى الآن على أسعار السلع والخدمات التي ترتبط بشكل مباشر بكلفة النقل والإنتاج.
وخلال جولة أجراها مراسل سوريا 24 في عدد من محطات المحروقات، تباينت آراء المواطنين بين من ينظر إلى القرار باعتباره بداية لمسار اقتصادي جديد، ومن يطالب بتخفيضات أكبر تواكب تحسن سعر الصرف وتخفف الأعباء المعيشية.
ويقول المحامي حسين القربي إن الأسعار الجديدة “جيدة مقارنة بما كانت عليه”، لكنه يأمل بمزيد من التخفيضات خلال المرحلة المقبلة، مضيفًا أن سوريا تمر بمرحلة إعادة إعمار تتطلب استقرارًا اقتصاديًا، بينما تحتاج الحقول والآبار النفطية إلى الوقت والاستثمارات لاستعادة كامل طاقتها الإنتاجية. ويضيف أن الوصول إلى مرحلة تغطي فيها الحقول المحلية احتياجات السوق سيكون عاملًا مهمًا في استقرار الأسعار.
أما سناء واعظ، وهي مدرسة متقاعدة، فتؤكد أن التخفيض لم ينعكس بصورة ملموسة على حياتها اليومية، مشيرة إلى أن المازوت يمثل “عصب الحياة”، إذ يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة، وبالتالي فإن أي انخفاض محدود لا يحقق أثرًا واضحًا على معيشة المواطنين.
ويرى عبد المعطي كيتو أن الأسواق لم تستجب حتى الآن للقرار، موضحًا أن نسبة التخفيض “بسيطة جدًا ولم تحقق ما كان ينتظره المواطن”. ويضيف أن المازوت يؤثر في أسعار معظم السلع الأساسية، ولذلك فإن انخفاضه بصورة أكبر كان سيؤدي إلى تراجع أوسع في الأسعار، ويساعد الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
من جانبه، يعتبر محمد بسام أن تقييم القرار لا يرتبط فقط بنسبة التخفيض، بل بمجمل الإجراءات الاقتصادية المطلوبة خلال المرحلة الحالية. ويقول إن أي خفض في أسعار المحروقات يصب في مصلحة المواطنين، لكن البلاد ما تزال في مرحلة إعادة البناء، وهو ما يتطلب تعاونًا بين الدولة والمجتمع لدعم الاستقرار الاقتصادي.
ويشير الدكتور المهندس محمد نجيب صلاحو إلى أن غالبية السلع تعتمد في إنتاجها ونقلها على مادة المازوت، ولذلك فإن التخفيض من المفترض أن ينعكس تدريجيًا على الأسعار، إذا ما التزم التجار بتخفيض تكاليف البيع بما يتناسب مع انخفاض تكاليف التشغيل.
أما يوسف الجاد، فيصف القرار بأنه إيجابي، موضحًا أن انخفاض أسعار الوقود ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، ويساعد على تنشيط الحركة التجارية والإنتاجية، معتبرًا أن استمرار هذا النهج سيدعم الاقتصاد المحلي خلال الفترة المقبلة.
ووفقًا لوكالة سانا الرسمية للأنباء، فإن القرار يأتي بعد إعلان وزارة الطاقة خفض أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 14 و20%، حيث انخفض سعر ليتر البنزين أوكتان 95 بنسبة 20.39% إلى 130 ليرة سورية جديدة، وأوكتان 90 بنسبة 19.97% إلى 125 ليرة، فيما تراجع سعر ليتر الديزل بنسبة 14.37% إلى 107 ليرات، كما انخفض سعر أسطوانة الغاز المنزلية بنسبة 15.49% إلى 1500 ليرة، والصناعية بالنسبة نفسها إلى 2400 ليرة.
وأكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد السليمان، لقناة الإخبارية أن القرار جاء بعد دراسة فنية واقتصادية أوصت بها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، موضحًا أن آلية التسعير الجديدة ستعتمد على مراجعة دورية ومرنة للأسعار وفق تطورات الأسواق العالمية والمؤشرات الاقتصادية المحلية، بما يحقق استقرار السوق واستدامة توافر المشتقات النفطية.
ورغم الترحيب الشعبي بالقرار، يرى اقتصاديون أن الاختبار الحقيقي لن يكون في نسبة التخفيض المعلنة، بل في سرعة انتقال أثرها إلى الأسواق. فالمازوت يشكل أحد أهم عناصر تكلفة الإنتاج والنقل، وأي انخفاض في سعره يفترض أن ينعكس تدريجيًا على أسعار الغذاء والسلع الأساسية والخدمات، وهو ما يترقبه المواطنون خلال الأسابيع المقبلة. وفي المقابل، يبقى نجاح القرار مرتبطًا أيضًا بقدرة الجهات الرقابية على منع احتفاظ الأسواق بالأسعار القديمة رغم انخفاض تكاليف التشغيل.


