لم يعد الحصول على مسكن للإيجار في دمشق مجرد خيار سكني، بل تحول إلى واقع مالي يفرض ضغوطاً متزايدة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار العقارات. ومع تراجع القدرة الشرائية وتصاعد الطلب أمام محدودية المعروض، اتسعت الفجوة بين دخل الأسر وتكاليف السكن، مما أدى إلى واقع اقتصادي فرض نفسه على “الأهالي” والملاك، وفتح الباب أمام تساؤلات حول مسببات هذه الأسعار وانعكاساتها على حركة السوق.
وتُبيّن شهادات الأهالي المتغيرات التي طرأت على سوق العقارات، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على قيمة الإيجار، بل ارتبطت بتراكم العمولات العقارية وشروط الدفع المسبق التي يفرضها الملاك. وفي هذا السياق، أوضحت لوسين عجيب، 44 عاماً، في حديثها لـ”سوريا 24“، أنها، كمهجرة، واجهت واقعاً سكنياً معقداً، إذ استأجرت مسكناً مؤلفاً من غرفتين في منطقة المعضمية بمليون ليرة سورية، وهو مبلغ ترى أنه لا يتناسب مع واقع العقار الإنشائي.
وتضيف لوسين عبر “سوريا 24” أنها تأمل في تدخل الجهات المعنية لتنظيم السوق وتوفير حلول تساعد “الأهالي” على تغطية الالتزامات المالية المتداخلة بين تكاليف المعيشة وفواتير الخدمات.
من جانبها، أشارت منى أحمد، 49 عاماً، من “أهالي” منطقة المزة 86، لـ”سوريا 24″، إلى الصعوبات التي يواجهها المستأجرون في إيجاد عقارات بأسعار مقبولة.
وأوضحت أن البحث عن مسكن يبلغ إيجاره مليون ليرة سورية بات أمراً نادراً، وإذا توافر، فإن المكاتب العقارية تفرض عمولات تعادل إيجار شهر كامل، بالإضافة إلى شرط الملاك بدفع بدل إيجار ستة أشهر سلفاً.
وتؤكد منى لـ”سوريا 24” أن تذبذب الأسعار وغياب الاستقرار السكني يفرضان حالة من القلق المستمر، مطالبةً بوضع ضوابط تنظيمية تضبط قيمة الإيجارات وعمولات المكاتب العقارية بما يتواءم مع مستويات الدخل.
وفي المقابل، يرى أبو وليد، صاحب مكتب “الحلبوني” للوساطة العقارية، أن المكاتب تمارس دور الوسيط وفقاً لتوجهات الملاك. ويوضح لـ”سوريا 24” أن تحديد قيمة الإيجار يعود بشكل كلي إلى مالك العقار، بينما يقتصر دور المكتب على العرض والطلب.
ويشير أبو وليد لـ”سوريا 24” إلى وجود تفاوت كبير في الأسعار لنفس الفئة من العقارات، حيث يحدد كل مالك سعره بناءً على تقديرات شخصية. كما يلفت إلى أن تغيرات سعر الصرف تنعكس بشكل مباشر على الأسعار، لكن السوق لا يشهد انخفاضاً مماثلاً عند استقرار الصرف، وهو ما يساهم في ثبات حالة الغلاء.
من وجهة نظر اقتصادية، يرى الخبير جلال بكار أن وضع السكن الحالي ناتج عن خلل بنيوي في السوق العقارية. ويشير في تصريحه لـ”سوريا 24” إلى أن التوسع في الطلب، نتيجة عودة بعض “الأهالي” إلى المدن الرئيسية كدمشق وحلب وحمص، في ظل محدودية العرض، خلق ضغوطاً تصاعدية.
ويضيف بكار لـ”سوريا 24” أن معالجة هذا الواقع تتطلب نظرة جغرافية واقتصادية شاملة، لا سيما في المناطق التي شهدت تدميراً للبنية التحتية، مشدداً على ضرورة وجود تشريعات توازن بين حقوق المالك والمستأجر.
ويحذر بكار عبر “سوريا 24” من الآثار التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف السكن، موضحاً أن تحمّل “الأهالي” والأنشطة الاقتصادية أكثر من 20 إلى 30 بالمئة من الدخل كبدل إيجار، يؤدي بالضرورة إلى رفع أسعار السلع والخدمات النهائية.
ويرى أن استيعاب عودة “الأهالي” يتطلب خططاً استراتيجية تمتد لسنوات، بدلاً من الاعتماد على مشاريع استثمارية فاخرة لا تلبي احتياجات الغالبية العظمى.
ويختتم بكار حديثه لـ”سوريا 24” بالتأكيد على أهمية دور الدولة في إقامة شركات متخصصة تبني مشاريع سكنية ميسّرة تتناسب مع دخل “الأهالي”، بدلاً من ترك السوق العقارية بالكامل للقطاع الخاص الذي يوجه استثماراته نحو شرائح محدودة.

