القامشلي: توسع حفر الآبار يثير مخاوف من استنزاف المياه الجوفية

حجم الخط

لم يعد القلق في قرى الريف الغربي لمدينة القامشلي مرتبطاً بموسم الجفاف وحده، بل بات يتجه نحو ما يصفه السكان بـ”الاستنزاف الصامت” للمياه الجوفية، مع تزايد أعداد الآبار المحفورة خلال السنوات الأخيرة، في منطقة يعتمد سكانها ومزارعوها بصورة شبه كاملة على المخزون الجوفي لتأمين مياه الشرب وري الأراضي الزراعية.

وتقول شهادات جمعتها سوريا 24 من سكان ومزارعين في المنطقة إن إنتاجية عدد من الآبار المنزلية والزراعية تراجعت بشكل ملحوظ، بالتزامن مع اتساع عمليات الحفر، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الواقع إلى انخفاض أكبر في منسوب المياه خلال السنوات المقبلة.

بئر كانت تكفي المنزل… ولم تعد تملأ خزاناً واحداً

في قرية هيمو غرب القامشلي، يقول أبو إسماعيل عمر (55 عاماً) إن بئره المنزلية، التي حفرها عام 2014، كانت تؤمن احتياجات المنزل كاملة، إلى جانب ري الأشجار المحيطة به.

ويضيف أن البئر كانت تعمل لساعتين متواصلتين دون انقطاع، بينما تراجعت إنتاجيتها خلال العام الأخير إلى حد أنها لم تعد قادرة على ملء أكثر من خزان واحد، قبل أن يتوقف الضخ لساعات بانتظار تجدد المياه داخل البئر.

ويقدر عمر عدد الآبار المحفورة في محيط قريته بنحو 200 بئر، معتبراً أن معظمها أُنشىء خلال السنوات الأخيرة، وأن توسع الحفر، من دون مراعاة لقدرة الخزان الجوفي، بدأ ينعكس بصورة مباشرة على كميات المياه المتاحة.

المزارعون يلاحظون تغيراً في منسوب المياه

ولا يقتصر هذا الانطباع على الاستخدامات المنزلية.

فالمزارع أحمد العلي (44 عاماً) يقول إن الوصول إلى المياه أصبح يتطلب الحفر إلى أعماق أكبر مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات، مضيفاً أن الأراضي الزراعية في الريف الغربي للقامشلي أصبحت تضم آباراً متقاربة المسافات، مع استمرار عمليات الحفر لتأمين مياه الري والاستخدامات المنزلية.

ويرى العلي أن التحدي لا يكمن في ازدياد عدد الآبار فحسب، بل في غياب إدارة متوازنة للمياه الجوفية، محذراً من أن استمرار الاعتماد على المصدر نفسه، من دون ضبط عمليات الاستخراج، قد يضع المنطقة أمام ضغوط مائية متزايدة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الهطل المطري.

إجراءات حكومية لضبط الحفر

وتأتي هذه المخاوف في وقت بدأت فيه وزارة الطاقة، خلال العامين الأخيرين، تشديد إجراءاتها المتعلقة بحفر الآبار.

فقد دخل التشريع المائي الجديد لعام 2025 حيز التنفيذ، متضمناً عقوبات على حفر الآبار من دون ترخيص، إلى جانب مصادرة حفارات الآبار المستخدمة في المخالفات، وعدم الإفراج عنها قبل استكمال الإجراءات القضائية. كما أصدرت الوزارة قراراً يقضي بعدم السماح بإدخال حفارات آبار المياه إلى البلاد إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة، في إطار الحد من الحفر غير النظامي وتعزيز إدارة الموارد المائية.

وتقول الهيئة العامة للموارد المائية إن هذه الإجراءات تستهدف حماية المخزون الجوفي، في ظل الضغوط المتزايدة التي تشهدها الأحواض المائية السورية نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الموارد السطحية.

بين التشريع والواقع الميداني

ورغم تشديد الإطار القانوني، يرى سكان في الريف الغربي للقامشلي أن آثار هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بصورة ملموسة على أرض الواقع، إذ لا تزال عمليات الحفر، بحسب شهاداتهم، مستمرة في بعض المناطق، بينما يستمر انخفاض إنتاجية عدد من الآبار القائمة.

وفي محاولة للحصول على رد رسمي، تواصلت سوريا 24 مع مديرية الموارد المائية في الحسكة للاستفسار عن عدد الآبار المرخصة في الريف الغربي للقامشلي، وآليات ضبط الحفر المخالف، ومدى تأثيره على المخزون الجوفي، إلا أنها لم تتلقَّ رداً حتى وقت نشر هذا التقرير.

وبين روايات السكان، والإجراءات الحكومية الهادفة إلى تنظيم استثمار المياه الجوفية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة التدابير الحالية على الحد من استنزاف أحد أهم الموارد الطبيعية في منطقة يعتمد أمنها المائي، إلى حد كبير، على ما تختزنه طبقاتها الجوفية.