لم تعد الطرق المؤدية إلى بلدة رنكوس وسهلها في القلمون الغربي تغرق في الظلام مع حلول المساء كما كان الحال خلال السنوات الماضية، إذ تحولت مساحات واسعة كانت توصف بأنها مهجورة وموحشة إلى شوارع مضاءة تستقطب الأهالي والزوار، ضمن سلسلة مشاريع إنارة بالطاقة الشمسية بدأ تنفيذها عبر حملة “رنكوس بتستاهل”.
إذ عانت البلدة خلال سنوات الحرب من تضرر واسع في البنية التحتية، حيث تعرضت شبكات الكهرباء وأعمدة الإنارة للنهب والتخريب على يد عصابات نظام الأسد، ما جعل العديد من الطرق الحيوية خارج الخدمة لسنوات طويلة، قبل أن تبدأ مبادرات مجتمعية بإعادة تأهيلها.
وقال نهاد شاهين، مدير حملة “رنكوس بتستاهل”، لـ”سوريا 24”، إن الحملة تعهدت منذ انطلاقها قبل أشهر بتنفيذ مجموعة من المشاريع المرتبطة بقطاع الطاقة والإنارة، وكان أولها مشروع إنارة بلدة رنكوس بالكامل.
وأوضح شاهين أن المشروع شمل تركيب نحو 345 كشاف إنارة بالطاقة الشمسية في الشوارع الرئيسية والفرعية وحارات البلدة، مستفيدًا إلى حد كبير من البنية التحتية القائمة، حيث جرى تركيب الكشافات على الأعمدة والمباني الموجودة مسبقًا، مع إضافة عدد محدود من الأعمدة الجديدة عند الحاجة.
وأضاف أن المشروع الأبرز تمثل في إنارة الطريق الواصل بين مسجد خالد بن الوليد في السهل ومسجد علي بن أبي طالب في رنكوس، بطول يصل إلى 10 كيلومترات، وبتكلفة تقديرية بلغت نحو 200 ألف دولار أمريكي.
وبيّن أن المشروع تضمن تركيب ما لا يقل عن 350 عمود إنارة يعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى أعمال الحفر، وصب القواعد البيتونية، وتركيب العواكس المرورية والمحددات التحذيرية على امتداد الطريق، بهدف تعزيز السلامة المرورية وتحسين الرؤية الليلية.
وأشار شاهين إلى أن المهندس محمد ضميرية، وهو أحد أبناء البلدة، تكفل بدراسة المشروع وتمويله وتنفيذه، كما صُممت الأعمدة خصيصًا بما يتناسب مع الهوية البصرية لبلدة رنكوس، بدلًا من استخدام نماذج تقليدية جاهزة.
وأوضح أن الطريق كان يفتقر بشكل شبه كامل إلى أي بنية تحتية للإنارة، نتيجة سرقة شبكات الكهرباء والأعمدة خلال السنوات الماضية، ما جعل المشروع بمثابة إعادة إحياء لطريق حيوي يخدم البلدة ومحيطها.
حركة ليلية غير مسبوقة
ولم يقتصر أثر المشروع على تحسين الخدمات فقط، إذ يؤكد أهالي البلدة أن الحركة المرورية ازدادت بشكل ملحوظ بعد تشغيل الإنارة.
وقال شاهين إن أعدادًا كبيرة باتت تقصد الطريق خلال ساعات المساء للتنزه والاستمتاع بالمشهد الطبيعي، حتى من دون وجود أعمال أو التزامات مباشرة في المنطقة، مضيفًا أن جمال المنطقة ليلًا أصبح لا يقل عن جمالها نهارًا، بعد أن أبرزت الإنارة المزارع والمساحات الخضراء الممتدة على جانبي الطريق.
ويرى عدد من سكان رنكوس، الذين تحدثوا لـ”سوريا 24”، أن المشروع غيّر صورة المنطقة بالكامل، إذ باتت العائلات تخرج للتنزه مساءً على الطريق الذي كان يوصف سابقًا بالمظلم والخالي من الحركة.
وقال شادي ضميرية، وهو أحد الأهالي، إن الطريق أصبح أكثر أمانًا للسائقين والمشاة، كما شجع السكان على قضاء أوقات أطول خارج منازلهم خلال فصل الصيف، بينما أشار آخر إلى أن الإنارة أعادت الحياة إلى منطقة كانت شبه مهجورة ليلًا بسبب العتمة وانعدام الخدمات.
انعكاسات اقتصادية وعمرانية
وأكد شاهين أن أي تحسن في مستوى الخدمات ينعكس مباشرة على الواقع الاقتصادي والعمراني، مشيرًا إلى أن مشاريع الكهرباء والإنارة والمياه والاتصالات ترفع تلقائيًا من القيمة السوقية للأراضي والعقارات المحيطة.
وأضاف أن الطريق المضاء بات أكثر جاذبية للراغبين في الشراء والاستثمار، خصوصًا في المناطق القريبة من الخدمات، الأمر الذي انعكس على الطلب على الأراضي الواقعة على امتداده.
مشاريع جديدة قيد التنفيذ
وكشف شاهين عن المشروع الثالث لإنارة طريق الزنانير، الذي يشكل المخرج الثاني لبلدة رنكوس، بطول يبلغ نحو 3.2 كيلومترات.
وأوضح أن المشروع يتضمن تركيب ما بين 80 و85 عمود إنارة بالطاقة الشمسية، إضافة إلى تنفيذ أعمال الحفر والتجهيزات الفنية، وصب القواعد البيتونية، وتركيب الكشافات والعواكس المرورية.
وأضاف أن المشروع الرابع سيمتد من مفرق رنكوس حتى موقع القوس الجاري إنشاؤه عند مدخل البلدة، ومن المقرر تنفيذه خلال شهري أيلول وتشرين الأول المقبلين.
وبيّن أن مشاريع إنارة السهل، ومدخل البلدة، والطريق الدائري، تُعد مشاريع متكاملة أُنشئت من الصفر، بخلاف مشروع الإنارة داخل البلدة الذي استفاد جزئيًا من البنية التحتية القائمة، الأمر الذي جعل كلفتها أعلى نظرًا لحاجتها إلى تنفيذ جميع المراحل الإنشائية والفنية.
وأوضح أن إنجاز مشروع طريق الزنانير سيرفع عدد مشاريع الإنارة العاملة بالطاقة الشمسية التي نفذتها الحملة أو تعمل عليها إلى أربعة مشاريع، بكلفة إجمالية تقديرية تقارب 400 ألف دولار أمريكي.
وختم شاهين حديثه بالتأكيد على أن هذه المشاريع أُنجزت بتمويل من المتبرعين والداعمين لحملة “رنكوس بتستاهل”، معتبرًا أن ما تحقق خلال الفترة الماضية أسهم في تحويل مناطق كانت تعاني العتمة وقلة الحركة إلى مساحات نابضة بالحياة، تستقطب الأهالي والزوار وتمنح البلدة مظهرًا أكثر حيوية وأمانًا.
