شبان حمص يتطوعون لإزالة آثار الحرب في “بابا عمرو”

حجم الخط

لم يعد سكان حي بابا عمرو ينتظرون وصول الجرافات أو إطلاق مشاريع إعادة الإعمار. ففي أحد أكثر أحياء حمص رمزية خلال سنوات النزاع السوري، اختار العشرات من الأهالي أن يبدأوا بما هو متاح: إزالة الركام، وتنظيف الشوارع، وزراعة الأشجار، في محاولة لاستعادة جزء من الحياة التي غابت عن الحي لسنوات.

وتحت شعار “بابا عمرو بتستاهل”، أطلق سكان الحي حملة تطوعية شارك فيها رجال ونساء وأطفال، لإزالة الأنقاض وتحسين الواقع الخدمي، في مبادرة يسعى منظموها إلى تحويلها إلى نموذج للعمل الأهلي في مدينة حمص.

ويحمل بابا عمرو مكانة خاصة في الذاكرة السورية، إذ كان من أوائل الأحياء التي شهدت احتجاجات عام 2011، قبل أن يتحول إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهات العسكرية، ويتعرض لعمليات قصف ودمار واسعة أدت إلى نزوح معظم سكانه، فيما بقيت آثار الحرب حاضرة في أبنيته وبنيته التحتية حتى اليوم، رغم عودة قسم من الأهالي خلال السنوات الأخيرة.

وقال مختار الحي، حسن عبد الوهاب، في تصريح لموقع “سوريا 24”، إن الحملة لا تقتصر على إزالة الأنقاض وتنظيف الشوارع، بل تسعى إلى ترسيخ ثقافة العمل التطوعي وإعادة بناء روح المبادرة بين أبناء الحي.

وأضاف: “كما كانت بابا عمرو بوابة الصمود في مراحل سابقة، فإنها ستكون اليوم، بأبنائها، بوابة البناء والإعمار في مدينة حمص، ومنها إلى مختلف الأحياء والمحافظات السورية.”

وأوضح عبد الوهاب أن الحملة تعتمد بالكامل على إمكانات أبناء الحي، الذين وفروا أربع مركبات خدمية (تريكسات)، ومعدات للنظافة، إضافة إلى سبع شاحنات مخصصة لنقل الأنقاض، وجميعها مقدمة من الأهالي، على أن تستمر في خدمة المبادرات التطوعية المقبلة.

وأشار إلى أن السكان قرروا تسخير ما يمتلكونه من إمكانات للمساهمة في إعادة تأهيل حيهم، في ظل الحاجة إلى تحسين الخدمات الأساسية ومعالجة آثار الدمار التي لا تزال واضحة في العديد من الشوارع والمرافق.

من جانبه، أوضح باسل حمرة، أحد سكان بابا عمرو، أن حجم المشاركة يعكس ارتباط الأهالي بحيهم ورغبتهم في استعادة ملامحه، موضحًا أن المبادرات لم تقتصر على أعمال التنظيف، بل شملت أيضًا إزالة الأنقاض، وتشجير عدد من المواقع، وتنفيذ أعمال ترميم بسيطة في بعض المرافق.

وأضاف أن مشاركة النساء والأطفال إلى جانب الرجال تعكس شعورًا جماعيًا بالمسؤولية، معتبرًا أن إعادة إعمار الأحياء لا تبدأ بالمشاريع الكبرى فقط، بل بخطوات يومية يشارك فيها السكان أنفسهم.

ودعا حمرة إلى نقل التجربة إلى بقية أحياء مدينة حمص، مؤكدًا أن الحفاظ على الأحياء وتطويرها يتطلب شراكة بين السكان والجهات المحلية ولجان الأحياء، وليس الاعتماد على المؤسسات الرسمية وحدها.

بدوره، وصف عبد الناصر صطوف، أحد المشاركين في الحملة، الانخراط في أعمال النظافة بأنه “واجب مجتمعي”، داعيًا، عبر موقع “سوريا 24”، جميع الأهالي إلى المساهمة في المبادرات المقبلة، ومؤكدًا أن الحفاظ على نظافة الحي وتحسين بيئته مسؤولية مشتركة.

وبينما لا تزال عملية إعادة الإعمار الشاملة تواجه تحديات مالية وخدمية كبيرة في حمص، يرى المشاركون في حملة “بابا عمرو بتستاهل” أن المبادرات الأهلية يمكن أن تسهم في سد جزء من الفجوة، وأن تمنح السكان دورًا مباشرًا في إعادة تشكيل الفضاء الذي عاشوا فيه قبل الحرب.

فبالنسبة لكثير من أبناء الحي، لا تمثل إزالة الأنقاض مجرد عمل خدمي، بل خطوة أولى في استعادة مكان ظل، لسنوات، أحد أبرز رموز الحرب في سوريا.