بعد سنوات في الهول.. أم أحمد تكافح لإعالة أسرتها في ريف دير الزور

حجم الخط

في منزل متواضع ببلدة السوسة في ريف دير الزور الشرقي، تبيع أم أحمد أكياس البسكويت وبعض المواد الغذائية بكميات صغيرة، وتذهب، عندما تسمح حالتها الصحية، للعمل في الأراضي الزراعية، في محاولة لتأمين احتياجات أسرتها بعد سنوات قضتها في مخيم الهول شمال شرقي سوريا.

كانت أم أحمد تأمل أن يمثل خروجها مع عائلتها من المخيم، الذي بقيت فيه ثلاث سنوات، بداية لحياة أكثر استقرارًا، لكن المرأة، التي تعاني من أمراض القلب والسكري، وجدت نفسها بعد العودة مسؤولة، إلى حد كبير، عن إعالة أسرتها، في ظل مرض زوجها وعدم قدرته على العمل، وحاجة أحد أطفالها إلى متابعة طبية مستمرة.

وقالت أم أحمد لموقع “سوريا 24”: “كنا ننتظر اليوم الذي نخرج فيه من المخيم لنبدأ حياة جديدة، لكن بعد الخروج وجدنا أن الظروف أصعب مما توقعنا”.

وتختصر تجربتها واحدة من المعضلات التي تواجه بعض السوريين العائدين من مخيم الهول؛ فمغادرة المخيم لا تعني بالضرورة انتهاء سنوات المعاناة، إذ تبدأ خارج أسواره تحديات مختلفة تتعلق بالدخل والسكن والعلاج وإعادة بناء حياة أسرية مستقرة.

وتقول أم أحمد، التي لم تعد تملك مصدرًا ثابتًا للدخل، إنها تحاول العمل بما يتناسب مع قدراتها الصحية: “أبيع بعض المواد الغذائية والبسكويت من المنزل، وأذهب أحيانًا للعمل مع الناس في الزراعة. أعمل بأي شيء أستطيع القيام به حتى أوفر الطعام لأطفالي”.

لكن قدرتها على الاستمرار أصبحت مهددة بسبب وضعها الصحي، وتقول إن الأطباء أخبروها بأنها بحاجة إلى عملية جراحية لا تستطيع تحمل تكاليفها.

وأضافت: “أنا أعاني من القلب والسكري، والأطباء قالوا إنني بحاجة إلى عملية، لكنني لا أملك تكلفتها. أخشى أن تتدهور صحتي، وفي الوقت نفسه لدي أطفال بحاجة إلي”.

ولا تقتصر المشكلات الصحية داخل الأسرة عليها، فأحد أطفالها يعاني، بحسب والدته، من اضطرابات مرتبطة بالغدة ومشكلات في النمو تستدعي مراجعات وعلاجًا منتظمًا.

وقالت: “ابني يحتاج إلى متابعة مستمرة، لكن الظروف المادية صعبة جدًا. أحيانًا لا أستطيع تأمين ما يحتاج إليه”.

وبالنسبة إلى أم أحمد، أصبحت نفقات العلاج جزءًا من حسابات يومية تتنافس فيها الأدوية مع الطعام وبقية احتياجات الأسرة.

سنوات داخل الهول

أُنشئ مخيم الهول في محافظة الحسكة لإيواء النازحين، لكنه تضخم بصورة حادة خلال المعارك الأخيرة ضد تنظيم “داعش” في شرق سوريا، ولا سيما بعد وصول عشرات الآلاف من الأشخاص من المناطق التي خسرها التنظيم في عامي 2018 و2019.

وفي ذروة الاكتظاظ عام 2019، عاش في المخيم أكثر من 70 ألف شخص، وكان نحو ثلثيهم من الأطفال، وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ووثقت منظمات إنسانية في تلك الفترة نقصًا في المرافق الصحية والمياه، وظروفًا معيشية قاسية، إلى جانب انتشار الأمراض والإصابات والآثار النفسية بين الأطفال والنساء.

ووصف الصليب الأحمر لاحقًا ظروف المخيم بأنها شديدة القسوة؛ إذ كانت الخيام تتعرض للغرق خلال أمطار الشتاء، بينما كانت درجات الحرارة تقترب من التجمد، في حين تجاوزت صيفًا 45 درجة مئوية وسط العواصف الترابية. كما رصدت الفرق الطبية اضطرابات نفسية وسلوكية لدى بعض الأطفال والسكان، من بينها الخوف المزمن، واضطرابات النوم، والعزلة.

وكان المخيم يضم سوريين وعراقيين، إلى جانب مواطنين من عشرات الدول ارتبط بعض أفراد أسرهم بتنظيم “داعش”. ومع مرور السنوات، بدأت عمليات إعادة السوريين والعراقيين إلى مناطقهم وبلدانهم، فيما بقيت قضية الأجانب إحدى أكثر المسائل تعقيدًا.

تحول كبير في 2026

ظل مخيم الهول لسنوات تحت إدارة وسيطرة “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة، لكن خريطة السيطرة في شمال شرقي سوريا تغيرت بصورة كبيرة مطلع عام 2026.

وفي 19 كانون الثاني/يناير، أصبح المخيم تحت سيطرة الحكومة السورية بعد انسحاب “قسد” من منطقة الهول، وفق تقرير لليونيسف. وأدى الانتقال المفاجئ للسيطرة إلى اضطرابات أمنية وتوقف معظم الخدمات الإنسانية الأساسية لمدة أربعة أيام، قبل أن تبدأ بالعودة تدريجيًا.

وكان أكثر من 23 ألف شخص يعيشون في المخيم قبيل انتقال السيطرة، موزعين على 6639 عائلة، بينهم سوريون وعراقيون ونحو 6280 أجنبيًا من أكثر من 40 دولة، بحسب بيانات نقلتها وكالة رويترز.

وفي تقرير صدر لاحقًا، قالت اليونيسف إن السلطات السورية بدأت، أواخر كانون الثاني/يناير، نقل عائلات من الهول، واستمرت العملية خلال شباط/فبراير، ولا سيما باتجاه مخيم عق برهان في ناحية أخترين بريف حلب، قبل إغلاق مخيم الهول في آذار/مارس 2026.

وقالت المنظمة إن الشركاء الإنسانيين واصلوا العمل على قضايا حماية الأطفال والصحة والتغذية والمياه والوثائق المدنية للعائلات المتأثرة بعمليات النقل.

تحديات ما بعد العودة

غير أن إغلاق المخيم أو خروج العائلات منه لا يعني انتهاء المشكلة بالنسبة إلى جميع العائدين، وتشير بيانات إنسانية أوسع إلى أن العائدين إلى مناطقهم في سوريا يواجهون نقصًا في فرص العمل والخدمات والسكن.

وخلص تقرير نُشر في تموز/يوليو 2026 عن أوضاع العائدين إلى أن وتيرة العودة تسير بوتيرة أسرع من قدرة المناطق المحلية على إعادة تأهيل المساكن والخدمات وتوفير فرص كسب العيش.

وقالت اليونيسف، في تقريرها السنوي لعام 2025 الصادر في تموز/يوليو 2026، إن 90 بالمئة من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، وإن ضعف شبكات الحماية الاجتماعية يجعل مرض أحد أفراد الأسرة أو فقدان مصدر الدخل كافيًا لدفع الأسر الهشة إلى مزيد من العوز.

وهذا تحديدًا ما تخشاه أم أحمد، فبعد سنوات كان الخروج من الهول خلالها هدفًا بحد ذاته، أصبح مطلبها اليوم أكثر بساطة: علاج يمكنها تحمل تكلفته، ورعاية صحية لطفلها، ومصدر دخل يسمح للأسرة بالاستمرار من دون الاعتماد على أعمال موسمية ومتقطعة.

وقالت: “كل ما أريده أن أتعالج، وأن أستطيع الاستمرار من أجل أطفالي”.

وأضافت: “أريد أن نعيش بكرامة”.

فبالنسبة إلى أم أحمد، انتهت الحياة داخل أسوار الهول، لكن معركة استعادة حياة طبيعية خارجه ما زالت مستمرة.