في مدينة العشارة بريف دير الزور الشرقي، لا تبدو أزمة الخدمات منفصلة عن تفاصيل الحياة اليومية، فالطرقات التي تملؤها الحفر، والمياه التي تصل على فترات متباعدة وبضغط ضعيف، والانقطاعات الكهربائية، وتراكم النفايات في بعض الأحياء، تشكل مجتمعة مشهداً يختصر جانباً من الصعوبات التي يواجهها سكان المدينة.
ومع اتساع الكتلة السكانية، التي يقول أهالٍ إنها تجاوزت 60 ألف نسمة، تبدو إمكانيات البلدية محدودة أمام احتياجات تتزايد، بينما يطالب السكان بدعم أكبر للمدينة وبخطة خدمية تتعامل مع الطرق والمياه والكهرباء والنظافة باعتبارها ملفات مترابطة، لا أزمات منفصلة.
طرقات تتحول إلى عائق يومي
بالنسبة لخالد العبار، أحد سكان العشارة، تبدأ المشكلة من الشوارع نفسها، ويقول لموقع “سوريا 24” إن الحفر والمطبات تنتشر في عدد من الطرق داخل المدينة، ما يجعل التنقل أكثر صعوبة ويتسبب بأضرار للمركبات.
ولا تقتصر آثار تردي الطرق، بحسب العبار، على أصحاب السيارات، إذ يواجه كبار السن والطلاب والمرضى أيضاً صعوبة في الحركة، بينما قد تعيق بعض الطرق وصول سيارات الإسعاف والخدمات إلى الأحياء.
ويطالب العبار بصيانة عاجلة للشوارع الأكثر استخداماً ومعالجة الحفر قبل توسعها، إلى جانب إعادة تأهيل الطرق التي أصبحت، وفق وصفه، عاجزة عن استيعاب حركة السكان اليومية.
ويرى أن إصلاح الطرق لم يعد مسألة تتعلق بالمظهر العمراني فحسب، بل بات ضرورة مرتبطة بإمكانية وصول المواطنين إلى المدارس والمراكز الصحية والأسواق وسائر المرافق الأساسية.
مياه كل ثلاثة أيام
لا يبدو وضع المياه أفضل حالاً، يقول العبار إن المياه تصل إلى عدد من أحياء العشارة مرة كل ثلاثة أيام، لمدة تراوح بين أربع وخمس ساعات، غير أن ضعف الضخ يقلل من قدرة السكان على تعبئة خزاناتهم والاستفادة من ساعات الضخ المحدودة.
ويضيف أن المشكلة لا ترتبط فقط بجدول التوزيع، بل أيضاً بقدم بعض الشبكات والتمديدات وضعف المضخات، ما يجعل كميات المياه التي تصل إلى الأحياء متفاوتة.
وفي بعض المناطق، قد تصل المياه بضغط منخفض إلى درجة لا تسمح بوصولها إلى الخزانات المرتفعة، بينما يضطر السكان إلى البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتهم.
ويعتقد العبار أن الحل يتطلب إعادة تأهيل الشبكات وتقوية المضخات وتنظيم توزيع المياه بصورة أكثر توازناً، بدلاً من الاعتماد على ضخ متباعد لا يغطي الاحتياجات الفعلية للسكان.
غير أن ملف المياه يبقى مرتبطاً بالكهرباء أيضاً، فضعف التغذية الكهربائية، بحسب الأهالي، يؤثر في عمل المضخات والمنشآت التي تعتمد عليها شبكات المياه.
بلدية بإمكانيات أصغر من المدينة
في ملف النظافة، تظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحاً بين حجم المدينة والوسائل المتاحة للبلدية. يقول مرعي الحسن لموقع “سوريا 24” إن أعمال جمع النفايات تعتمد في جانب كبير منها على تريلة وجرار زراعي، وهي إمكانيات يعتبرها غير كافية لخدمة مدينة يزيد عدد سكانها، وفق تقديراته، على 60 ألف نسمة.
ويضيف أن محدودية الآليات تجعل الوصول اليومي إلى جميع الأحياء أمراً بالغ الصعوبة، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تأخر ترحيل القمامة وتراكمها في نقاط مختلفة.
ومع استمرار التراكم، لا تبقى المشكلة مرتبطة بالمشهد العام للمدينة فقط، إذ يخشى السكان من تحول تجمعات النفايات إلى مصدر للروائح والحشرات ومخاطر صحية، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
ويطالب الحسن برفد البلدية بآليات إضافية مخصصة لجمع النفايات وترحيلها، إضافة إلى معدات النظافة والوقود وقطع الغيار الضرورية لاستمرار الآليات الموجودة في العمل.
وبالنسبة إليه، فإن زيادة عدد الآليات من شأنها أيضاً تخفيف الضغط على عمال النظافة، وتمكين البلدية من الوصول إلى الأحياء الطرفية بصورة أكثر انتظاماً.
حاويات قليلة ونفايات في الأراضي الفارغة
أما فرج الحجي، فيربط جانباً من مشكلة انتشار النفايات بالنقص في الحاويات المخصصة لجمعها، ويقول لموقع “سوريا 24” إن بعض السكان لا يجدون نقاطاً قريبة لوضع مخلفاتهم، ما يدفع إلى رمي القمامة في الأراضي الفارغة أو على جوانب الطرق، وهي ممارسة يقول إنها توسعت مع غياب بدائل مناسبة.
ويقترح الحجي توزيع الحاويات بالقرب من التجمعات السكنية، بمعدل حاوية كل نحو 200 متر في المناطق المكتظة، مع وضع برنامج واضح لتفريغها وترحيل محتوياتها.
ويضيف أن مجرد توفير الحاويات لن يحل المشكلة إذا بقيت ممتلئة أياماً، مشدداً على ضرورة الربط بين زيادة عددها وبين انتظام عمليات الجمع.
كما يدعو إلى توزيعها بين جميع الأحياء، وعدم تركيزها في الشوارع الرئيسية أو المناطق التجارية فقط.
عمال النظافة.. أدوات بدائية أمام مهمة ثقيلة
في شوارع العشارة، تمتد محدودية الإمكانيات إلى الأدوات التي يستخدمها عمال النظافة أنفسهم.
يوضح الحجي أن عدداً منهم ما زال يعتمد على أدوات بسيطة مثل الكريك والأغطية والأكياس لجمع النفايات ونقلها إلى التريلة، وهي عملية تتطلب وقتاً وجهداً مضاعفين.
وبالنسبة للأهالي، لا يمكن تحميل العمال وحدهم مسؤولية مستوى النظافة في المدينة ما دامت المعدات المتاحة لهم محدودة.
ويعتبر الحجي أن توفير عربات ومعدات مخصصة لجمع النفايات وتنظيف الشوارع يمكن أن يرفع كفاءة العمل ويختصر الوقت اللازم لتغطية مساحات أكبر.
مطالب بخطة لا بمعالجات متفرقة
ورغم اختلاف تفاصيل الشكاوى، تتقاطع مطالب سكان العشارة عند نقطة واحدة: أن تحصل المدينة على موارد خدمية تتناسب مع عدد سكانها واتساعها.
فالطرق، وفق الأهالي، تحتاج إلى صيانة، وشبكات المياه إلى تأهيل، والكهرباء إلى تغذية أكثر استقراراً، فيما تحتاج البلدية إلى آليات وحاويات ومعدات تستطيع من خلالها إدارة ملف النظافة بصورة منتظمة.
وبالنسبة لسكان المدينة، لا يتعلق الأمر بتحسين منفرد لشارع أو إضافة حاوية في حي، بل بقدرة المؤسسات المحلية على الانتقال من معالجة المشكلات بعد تراكمها إلى إدارة الخدمات وفق خطة ثابتة.
وفي انتظار ذلك، تبقى تفاصيل الحياة اليومية في العشارة رهينة إمكانيات محدودة واحتياجات تتسع عاماً بعد آخر، بينما يواصل الأهالي المطالبة بخدمات يرون أنها تمثل الحد الأدنى الضروري لمدينة بهذا الحجم.
