قبضت قوات الأمن السورية على الضابط السابق مصعب أبو ركبة في محافظة درعا، يوم السبت، بعد عودته من النمسا، حيث صدر بحقه حكم بالسجن ثماني سنوات في قضية تتعلق بانتهاكات بحق معتقلين سوريين، في خطوة قال محامٍ وناشط حقوقي شارك في القضية إنها تعيد فتح الباب أمام محاسبته داخل سوريا.
وقال المحامي والناشط الحقوقي أسيد الموسى لـ”سوريا 24”، وهو من الشهود والمدعين الذين عملوا على القضية في أوروبا، إن توقيف أبو ركبة جاء بعد اتصالات أجراها مع جهات حكومية وقضائية وأمنية سورية عقب علمه بعودته إلى البلاد.
وأضاف: “من لحظة معرفتي بوصوله إلى سوريا، طرقت أبواب الحكومة السورية ووزارة العدل ووزارة الداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب والناشطين السوريين، حتى أوصلنا الصورة الصحيحة عن هذا الشخص وشرحنا الأعمال التي قام بها”.
وبحسب الموسى، فإن عودة أبو ركبة إلى سوريا كانت صادمة للضحايا والأشخاص الذين أمضوا سنوات في العمل على القضية أمام القضاء النمساوي.
وقال: “نحن من الشهود والمدعين الذين اشتغلوا على القضية في أوروبا لفترة طويلة، وعانينا من تعب وجهود مضنية حتى أقنعنا القضاء النمساوي بمحاكمته”.
وأضاف: “تعرف معايير المحاكم في أوروبا وكمية الأدلة المطلوبة حتى تستطيع إيصال شخص إلى المحكمة، ولذلك كان خبر هروبه بالنسبة لنا صادماً، وكنا فعلاً مستائين جداً”.
وقالت وزارة الداخلية السورية إن قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا ألقت القبض على أبو ركبة، الذي وصفته بأنه مقدم سابق في فرع الأمن السياسي في الرقة خلال عهد النظام السابق، بعد عودته من النمسا.
من الأمن الجنائي في الرقة إلى محكمة فيينا
وحول تتابع مسار ملاحقة “أبو ركبة”، قال الموسى إن أبو ركبة عمل في الأمن الجنائي بالرقة قبل اندلاع الاحتجاجات ضد حكم الرئيس السابق بشار الأسد في عام 2011، واتهمه بممارسة التعذيب وانتزاع الاعترافات خلال تلك الفترة.
ووفقاً للموسى، فإن “مصعب أبو ركبة هو ضابط شرطة في الرقة، ارتكب ممارسات تعذيب وانتزاع اعترافات حتى قبل الثورة السورية عام 2011، وكان من أشهر الضباط في الأمن الجنائي الذين كانوا ينتزعون الاعترافات عبر التعذيب”.
وأضاف أن أبو ركبة كان يتولى رئاسة قسم التحقيق في الأمن الجنائي في الرقة خلال الاحتجاجات، وأنه “كان على رأس دوريات الأمن الجنائي التي تخرج لاعتقال المتظاهرين وقمعهم واستجوابهم وتعذيبهم داخل فرع الأمن الجنائي”.
وأضاف أن مقر الأمن الجنائي كان مرتبطاً بعمل اللجنة الأمنية التي أشرفت على التعامل مع الاحتجاجات في المحافظة.
وقال: “كل المعتقلين الذين كانت اللجنة الأمنية توقفهم كانوا يوضعون في قسم الأمن الجنائي، ويقوم مصعب أبو ركبة وأمثاله بالتحقيق معهم وضربهم وتعذيبهم”.
وتتوافق صفة أبو ركبة خلال تلك المرحلة مع ما ورد في ملف محاكمته في النمسا. فقد وصفته المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا بأنه أحد مسؤولين سوريين رفيعي المستوى حوكما بشأن إساءة معاملة أعضاء في حركة الاحتجاج، بينما قالت وسائل إعلام نمساوية إنه كان رئيساً للشرطة الجنائية في الرقة.
وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية ORF، خلال تغطيتها للمحاكمة، إن أبو ركبة وخالد الحلبي، الرئيس السابق للفرع 335 التابع للمخابرات السورية في الرقة، حوكما معاً على خلفية انتهاكات بحق ما لا يقل عن 21 شخصاً.
21 شاهداً وضحية
وقال الموسى إن الملف الذي عمل عليه الضحايا والمدعون شمل 21 شخصاً بين شاهد وضحية، وإن بعضهم كانوا دون الثامنة عشرة عندما تعرضوا للانتهاكات التي تحدثوا عنها أمام القضاء.
وتابع: “من خلال الشباب الذين ادعوا عليه في أوروبا، وهم 21 شاهداً وضحية، كان من بين ضحاياه أطفال، كانوا في ذلك الوقت قصراً تحت عمر 18 سنة”.
وأضاف أن الضحايا تحدثوا عن مجموعة من أساليب التعذيب.
وشرح أساليب التعذيب التي كان يستخدمها “أبو ركبة” ضد المعتقلين، قائلاً: “كان التعذيب يتم من خلال الصعق بالكهرباء، ومن خلال الضرب بما يسمى الأخضر الإبراهيمي والكبل الرباعي والدولاب وبساط الريح”، وأن تلك الممارسات تسببت لبعضهم بآثار وتشوهات، وهناك من قام بضربه على أعضائه التناسلية وسبب له عاهات دائمة، وهناك من قام بكسر يده من الشباب القصر، وهناك من قام بإهانتهم وضربهم وجلدهم وتعذيبهم وانتزاع الاعترافات بالقوة بشكل ممنهج.
وتدعم تغطية المحاكمة في النمسا جانباً من الصورة العامة التي قدمها الموسى.
وقالت ORF في التاسع من حزيران/ يونيو إن شاهداً كان يعمل محامياً في سوريا تحدث أمام المحكمة عن تعرض المعتقلين لما وصفه بـ”التعذيب الممنهج” داخل مقار المخابرات والشرطة الجنائية، وإن شهادات أمام المحكمة تضمنت الحديث عن الضرب والصعق الكهربائي وظروف احتجاز قاسية.
وقالت المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا، في بيانها بعد الحكم، إن الادعاء اتهم الرجلين بإصدار أوامر بإساءة معاملة أعضاء في حركة الاحتجاج أو بعدم منع تلك الممارسات.
واستمعت المحكمة خلال 13 جلسة إلى 25 شاهداً، بينهم 19 ضحية مباشرة، إضافة إلى خبيرين، أحدهما متخصص طبياً في إصابات التعذيب.
معتقلون اختفت آثارهم
وفيما يتعلق باتهام “أبو ركبة” بارتكاب جريمة الإخفاء القسري، أوضح الموسى أن ملف الانتهاكات لا يقتصر على الأشخاص الذين أدلوا بشهاداتهم أمام المحكمة النمساوية.
وأضاف: “هناك كثير أيضاً من أبناء الثورة السورية والمتظاهرين الذين اعتقلهم مصعب أبو ركبة، وبعدما تم ترحيلهم إلى الفروع الأمنية في دمشق اختفوا، وحتى الآن نجهل مصيرهم”.
وقال إن أبو ركبة “متهم بارتكاب العديد من الانتهاكات، أولها التعذيب وليس آخرها، ومنها الإكراه الجنسي ومنها الإيذاء الجسدي الشديد وبشكل ممنهج”.
محاكمة واحدة إلى جانب خالد الحلبي
وبحسب بيان رسمي صادر عن المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا، حوكم أبو ركبة في القضية نفسها إلى جانب العميد السابق خالد الحلبي.
وبدأت المحاكمة في الأول من حزيران/ يونيو 2026، وصدرت الأحكام في السادس من يوليو/ تموز بعد 13 جلسة.
وحكمت المحكمة على كل من أبو ركبة والحلبي بالسجن ثماني سنوات بعد إدانتهما في معظم الاتهامات.
لكن الاتهامات القانونية التي أدين بها الرجلان لم تكن متطابقة بالكامل.
فبحسب التغطية القضائية، أدين الحلبي بالتعذيب إلى جانب جرائم الإيذاء الجسدي الجسيم والإكراه المشدد والإكراه الجنسي، بينما أدين أبو ركبة بالإيذاء الجسدي الجسيم والإكراه المشدد والإكراه الجنسي.
ونفى الرجلان الاتهامات خلال المحاكمة، وقالت المحكمة إن المتهمين كانا مسؤولين عن حماية الأشخاص المحتجزين في المواقع الخاضعة لسلطتهما ومنع مرؤوسيهما من ممارسة العنف، لكنها خلصت إلى أنهما لم يمنعا الانتهاكات، وأنهما تورطا شخصياً في أعمال عنف في بعض الحالات.
“سوريا الجديدة ليست ملاذاً آمناً”
وقال الموسى إن اعتقال أبو ركبة يحمل بالنسبة للضحايا أهمية تتجاوز قضيته الشخصية، ويرتبط بمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وقال: “أهم رسالة نريد إيصالها كضحايا ومدعين بحق هذا المجرم هي أن سوريا الجديدة ليست ملاذاً آمناً لمجرمي الحرب”.
وأضاف: “أهم ما نسعى إليه هو تطوير مبدأ عدم الإفلات من العقاب بالنسبة لهؤلاء المجرمين. مبدأ عدم الإفلات من العقاب يحقق لنا مبدأ آخر، وهو عدم تكرار مثل هذه الجرائم”.
وتابع: “إذا أفلت مصعب أبو ركبة وأمثاله من العقاب، فهذا يشجع غيرهم على تكرار مثل هذه الجرائم في سوريا في المستقبل”.
وأضاف: “إن شاء الله سوريا الجديدة لن تكون ملاذاً آمناً لأي مجرم حرب ارتكب انتهاكات بحق الشعب السوري، وإن شاء الله لن تتكرر هذه الانتهاكات في سوريا الجديدة”.
كيف غادر النمسا؟
كان أبو ركبة طليقاً خلال المحاكمة، على خلاف الحلبي الذي كان محتجزاً احتياطياً، وهو ما سمح للأول بمغادرة النمسا بينما كان الحكم الصادر بحقه غير نهائي.
وأفادت رويترز، يوم الجمعة، نقلاً عن أربعة مصادر ورسائل اطلعت عليها، بأن أبو ركبة عاد إلى سوريا بعد صدور الحكم، وقال محاميه في النمسا إن موكله غادر البلاد بصورة قانونية وإن الحكم لا يزال قيد الاستئناف.
وكان أبو ركبة قد دفع ببراءته خلال المحاكمة.
هل يحاكم في سوريا؟
وقال الموسى إن الخطوة التالية يجب أن تركز على التعاون القضائي بين سوريا والنمسا ونقل الأدلة الموجودة في الملف إلى السلطات السورية إذا تقررت محاكمته داخل البلاد، وأنه “بالنسبة لموضوع التعاون القضائي، لا أعلم بوجود اتفاقية تسليم مجرمين بين سوريا والنمسا”.
وأضاف: “نحن ننتظر أيضاً إصدار مذكرة اعتقال دولية من النمسا، وأن يكون هناك تعميم عبر الشرطة الدولية، الإنتربول”.
ويرجح الموسى أن يكون المسار القانوني الأقرب هو محاكمة أبو ركبة في سوريا.
وقال: “غالباً تطلب الدولة ملف المحكمة كاملاً. سوريا حسب القانون يمكن أن تطلب من المحكمة النمساوية إرسال ملفات القضية بشكل كامل لاستكمال المحاكمة في سوريا وفتح المحاكمة من أول وجديد”.
وأضاف: “هذه معلوماتي القانونية. لا أعتقد أن مصعب أبو ركبة سيُسلَّم إلى النمسا، وإنما ستُستكمل المحاكمة في المحاكم السورية وعلى الأراضي السورية، وإذا حُكم عليه يقضي عقوبته في السجون السورية”.
ولم تعلن السلطات القضائية السورية حتى الآن عن التهم التي سيواجهها أبو ركبة بعد توقيفه، أو ما إذا كانت ستطلب من السلطات النمساوية نقل ملف القضية والأدلة والشهادات التي استندت إليها محكمة فيينا.