قلعة دمشق تفتح أبوابها أمام الزوار بعد سنوات من الإغلاق

حجم الخط

بعد سنوات طويلة بقيت خلالها قلعة دمشق حاضرة في مشهد العاصمة من الخارج أكثر مما كانت متاحة لسكانها من الداخل، أعاد مهرجان «صيف دمشق» فتح أبوابها أمام الزوار، مانحاً الدمشقيين فرصة لاكتشاف معلم تاريخي اعتادوا رؤيته من دون أن يتمكنوا من دخوله.

ويأتي فتح القلعة ضمن توجه المديرية العامة للآثار والمتاحف لإعادة المواقع الأثرية إلى دائرة الزيارة والنشاط الثقافي، وفق الإمكانات المتاحة، بالتوازي مع أعمال التأهيل والترميم وتأمين المواقع وتنظيم مسارات الزيارة.

قلعة تختصر تاريخ دمشق

يوضح معاون مديرية الدراسات الأثرية في المديرية العامة للآثار والمتاحف، صلاح شاكر، لـ«سوريا 24»، أن القلعة الحالية تعود إلى العصر الأيوبي، وشيدها

الملك العادل، شقيق صلاح الدين، فوق بقايا قلعة سلجوقية كانت أصغر حجماً وأقرب إلى كونها حصناً دفاعياً.

وتتألف القلعة من 12 برجاً، وتغلب على عمارتها السمات العسكرية، فيما يتميز مدخلها الشرقي بزخارف ومقرنصات تُعد من أبرز عناصرها الفنية والمعمارية.

ولا تقتصر أهمية القلعة على وظيفتها الدفاعية، إذ كانت، بحسب شاكر، أشبه بـ«مدينة داخل المدينة». ففي فترات الحصار والحروب، كان سكان دمشق يلجؤون إليها للاحتماء من الهجمات والمخاطر، كما تمتع والي القلعة في بعض المراحل التاريخية بنفوذ يفوق نفوذ والي المدينة.

وتكشف أعمال التنقيب الأثري في الموقع عن طبقات متعاقبة من تاريخ دمشق، إذ عُثر على لقى وفخاريات تعود إلى الفترات العباسية والزنكية والأيوبية والمملوكية والإسبانية، إلى جانب شواهد تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، فضلاً عن اكتشاف أبراج وأجزاء من سور سلجوقي أقدم.

كما أظهرت الحفريات وجود منشآت أقدم تحت القلعة، بينها مرافق إدارية ومطبخ ومواقع لصناعة الفخار وفرن للخبز، إضافة إلى قاعة استقبال تعود إلى العصر الأيوبي. وعُثر كذلك على بقايا عظام بشرية تعود إلى فترة تاريخية قديمة.

ويرى شاكر أن تنوع هذه المكتشفات يفرض إعداداً مدروساً لعملية فتح القلعة أمام الزوار، بما يتيح لهم التمييز بين مراحل بنائها المختلفة وفهم تاريخ الموقع ووظائف عناصره المعمارية، مع توفير لوحات تعريفية وإرشادية أو مختصين لتقديم الشرح اللازم.

ترميم وتنقيب وتأهيل مستمر

وبحسب شاكر، كانت معظم أقسام القلعة قد أصبحت جاهزة للزيارة عام 2010، إلا أن افتتاحها أمام الجمهور لم يتم نتيجة الظروف الأمنية التي شهدتها البلاد، فيما لا تزال أجزاء واسعة منها بحاجة إلى استكمال أعمال التأهيل قبل إتاحتها للزوار.

ولا تقتصر احتياجات الموقع على أعمال الترميم، إذ تتطلب عملية فتحه استكمال تأهيل بعض أجزائه، وتنظيم مسارات الحركة داخله، ودراسة نتائج أعمال التنقيب التي كشفت عن طبقات أثرية متعددة.

ويشير شاكر إلى وجود مشروع قيد الدراسة لإنشاء متحف داخل القلعة، يتيح للزوار الاطلاع على نتائج الحفريات واللقى الأثرية والعناصر المعمارية التي كُشف عنها في الموقع.

ويؤكد أن فتح القلعة أمام الجمهور يجب أن يتم وفق خطة تضمن سلامة الزوار، وتنظيم حركة الدخول والخروج، وتوفير المعلومات التي تساعدهم على فهم القيمة التاريخية والأثرية للموقع.

أضرار القصف ومحدودية الإمكانات

من جهته، يقول معاون المدير العام للآثار والمتاحف، أيمن نابو، لـ«سوريا 24»، إن القلعة بقيت مغلقة أمام الزوار لفترة طويلة، في وقت كانت فيه أعمال الترميم والتأهيل مستمرة بصورة متواصلة.

ويشير نابو إلى تعرض القلعة لقصف جوي في 19 شباط 2023، أدى إلى تدمير مربعات التنقيب الأثري فيها، موضحاً أن محدودية الإمكانات المتاحة أثرت في أعمال التأهيل والترميم وفي القدرة على جعل الموقع مفتوحاً بصورة دائمة أمام الزوار.

ويؤكد أن خطة المديرية العامة للآثار والمتاحف لا تقتصر على قلعة دمشق، وإنما تهدف إلى إعادة فتح المواقع الأثرية أمام الجمهور بالتوازي مع أعمال التأهيل اللازمة.

ويضيف أن المديرية عملت خلال الفترة الماضية على تأمين المواقع الأثرية وإزالة مخلفات الحرب والألغام، بالتعاون مع وزارة الدفاع ووزارة الطوارئ والكوارث ومنظمات دولية ومحلية، إلى جانب تنفيذ إجراءات تتعلق بالأمن والسلامة ومعالجة الانهيارات في المواقع المتضررة.

«صيف دمشق» بوابة لإعادة المواقع الأثرية إلى الحياة

ويوضح نابو أن اختيار قلعة دمشق لاستضافة فعاليات ضمن مهرجان «صيف دمشق» جاء بهدف جذب الزوار إلى معلم يقع في قلب العاصمة، لكنه لم يكن حاضراً في حياة السكان بالقدر الذي يتناسب مع قيمته التاريخية.

ويقول إن الهدف تمثل في تعريف الناس بجمالية الموقع وتاريخه، وإشراك المجتمع المحلي في تفعيل المواقع الأثرية والاستفادة منها ثقافياً واقتصادياً، وتعزيز ارتباط السكان بتراث مدينتهم.

ويشير نابو إلى أنه فوجئ خلال جولات المهرجان بأن كثيراً من أبناء دمشق لم يدخلوا القلعة من قبل، رغم مرورهم بها ورؤيتهم لأسوارها بصورة مستمرة.

ويضيف أن التعامل مع القلعة يجب ألا يقتصر على اعتبارها أثراً تاريخياً يحتاج إلى الحماية، بل ينبغي أيضاً تفعيلها من خلال تنظيم فعاليات تستقطب الناس وتدفعهم إلى التعرف إلى تاريخها.

ويؤكد وجود توجه لتنظيم فعاليات أخرى تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، بما في ذلك طلاب المدارس والجامعات والعائلات، بحيث تصبح المواقع الأثرية جزءاً من الحياة الثقافية اليومية.

ويصف نابو المهرجان بأنه «بوابة إلى ما بعد»، موضحاً أن الهدف هو تحويل المواقع الأثرية إلى أماكن لا تقتصر وظيفتها على الزيارة، بل تنطلق منها مبادرات وفعاليات ثقافية ومجتمعية تعيد وصل الناس بتاريخهم.

قطع أثرية مستردة ومعرض دفاعي

وتشارك المديرية العامة للآثار والمتاحف في المهرجان بجناح يضم مجموعة من القطع الأثرية التي جرى استردادها من فرنسا، بهدف تعريف الزوار بها وإبراز جهود استعادة الممتلكات الثقافية السورية.

كما كشف نابو لـ«سوريا 24» عن التحضير لمعرض لوزارة الدفاع داخل القلعة، وصفه بأنه «معرض مميز جداً»، مشيراً إلى أن المديرية ستشارك فيه، على أن تعلن تفاصيله في وقت لاحق.

وأوضح أن اختيار القلعة لاستضافة المعرض يرتبط بطبيعتها الأساسية بوصفها منشأة دفاعية، وأن المعرض سيتناول موضوعات مرتبطة بالدفاع والحرب عبر التاريخ، بمشاركة المديرية في إعداد الجانب التاريخي للمحتوى.

وقال إن العمل يجري على أفكار جديدة بالتعاون مع المؤسسة الدولية المعنية بالمشروع، بهدف تقديم تجربة مختلفة للزوار، معتبراً أن المعرض سيكون تجربة جديدة من نوعها في سوريا.

«أنا من دمشق ولم أدخل القلعة في حياتي»

بالنسبة إلى الزوار، لم يكن فتح القلعة مجرد فعالية ضمن مهرجان، بل شكّل فرصة لاكتشاف مكان اعتادوا رؤيته من الخارج دون معرفة ما تخفيه أسواره.

وتقول آلاء مطر، وهي محاسبة، لـ«سوريا 24»، إنها كانت تتمنى أن تفتح القلعة أبوابها أمام المواطنين قبل المهرجان، مشيرة إلى أنها عاشت فترة طويلة في دمشق، وكانت ترى القلعة باستمرار من الخارج، من دون أن تعرف تفاصيل ما يوجد داخلها.

وتضيف أن دخول القلعة كان بالنسبة إليها أكثر أهمية من زيارة المهرجان نفسه، مؤكدة أنها أعجبت بالمكان بعد أن أتيح لها اكتشاف تفاصيله من الداخل. كما أشادت بفعاليات المهرجان، ولا سيما الألعاب المخصصة للأطفال، مشيرة إلى تفاعلهم معها واستمتاعهم بها.

ومن حلب، جاء فايز الحسين من تركيا برفقة ابنه إلى دمشق، وزارا المهرجان بهدف التعرف إلى القلعة. ويقول لـ«سوريا 24» إنهما استمتعا بالفعاليات والألعاب والعروض المسرحية والموسيقية، ولاحظا أجواء الفرح بين الزوار.

أما الطالب الجامعي مازن المنجد، فيقول لـ«سوريا 24» إن أجواء الفرح عادت إلى دمشق، وإن المهرجان وفر مساحة للتواصل بين الناس. كما أشار إلى شعوره بالأمان أثناء وجوده في المكان، وإلى اختلاف المشهد بالنسبة إليه بعد سنوات ارتبط فيها وجود عناصر النظام والطائرات في ذاكرة السكان بمشاعر الخوف.

وخلال جولات الزوار داخل القلعة، تكررت عبارة تختصر المفارقة التي كشف عنها فتح أبوابها أمام الجمهور: «أنا من دمشق ولم أدخل القلعة في حياتي».

فتح القلعة بداية لمسار أطول

بالنسبة إلى نابو، لا تقتصر أهمية إعادة فتح القلعة على الحفاظ على البناء الأثري، وإنما تتمثل أيضاً في إعادة ربط المجتمع بتاريخه وتراثه.

ويقول لـ«سوريا 24»: «الأهم من الحفاظ على الحجر هو أن يتعرف الناس إلى القلعة»، مشيراً إلى أن الزائر كان يرى الجدران الخارجية فقط، من دون أن تتاح له فرصة اكتشاف تفاصيل البناء والعناصر المعمارية ومدى انسجامها مع النسيج العمراني والتاريخي لمدينة دمشق.

ويؤكد أن المديرية تعمل وفق الإمكانات المتاحة وبصورة تدريجية من أجل إعادة القلعة إلى ألقها، مشدداً على أن المواقع الأثرية ينبغي ألا تتحول إلى أماكن للزيارة فقط، وإنما إلى فضاءات يتعرف فيها المجتمع إلى تاريخه ويشارك في الحفاظ عليه.

ويضيف أن القلعة ليست ملكاً للمديرية العامة للآثار والمتاحف أو لأي وزارة بعينها، بل «هي ملك الشعب»، معتبراً أن معرفة المجتمع بقيمة تراثه تمثل إحدى أهم وسائل حمايته، في حين تقع على عاتق المختصين مسؤولية الحفاظ عليه وصونه للأجيال المقبلة.

وبذلك، شكّل «صيف دمشق» فرصة لإعادة فتح باب قلعة دمشق أمام جمهور اعتاد رؤية أسوارها من الخارج. غير أن استمرار فتحها بصورة دائمة يبقى مرتبطاً باستكمال أعمال التأهيل والترميم، وتأمين الموقع، وتنظيم مسارات الزيارة، وتوفير المواد التعريفية والإرشادية، بما يحول القلعة من معلم حاضر في مشهد العاصمة إلى مساحة حاضرة فعلياً في حياة أهلها.