يواصل مشفى الحروق والجراحة التجميلية التخصصي في مدينة مارع بريف حلب الشمالي تقديم خدمات محدودة بجهود تطوعية، بعد انتهاء عقد التمويل الذي كان يغطي تشغيله.
وفي المقابل، أثارت أنباء عن إغلاقه قلق مرضى يعتمدون على خدماته المجانية والمتخصصة، ولا سيما في ظل محدودية البدائل المتاحة في المنطقة.
لا قرار بالإغلاق
قال مدير المشفى محمد الحسين لموقع سوريا 24 إن المنشأة لم تُغلق، ولا يوجد قرار رسمي بإغلاقها، موضحاً أن الكادر يعمل منذ مطلع تموز/يوليو بدوام جزئي وبصورة تطوعية، بعد انتهاء عقد الدعم المقدم من صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا.
وأضاف أن مديرية صحة حلب وصندوق الائتمان يعملان حالياً على الترتيب لعقد جديد، مرجحاً استئناف العمل بصورة أوسع في بداية أيلول/سبتمبر.
خدمات تخصصية ومجانية
بدأ المشفى عمله في 18 أيلول/سبتمبر 2022، ويقدم خدمات متخصصة في علاج الحروق والجراحة التجميلية والإصابات الحربية القديمة.
كما يوفر خدمات العلاج الفيزيائي والدعم النفسي، وهي خدمات يحتاج إليها مرضى الحروق في مراحل متعددة من العلاج.
وقال الحسين إن المشفى أصبح، بعد التغيرات التي شهدتها البلاد، مقصداً لمرضى من محافظات سورية مختلفة بسبب طبيعة خدماته التخصصية ومجانيتها.
وبحسب أرقام قدمتها إدارة المشفى، بلغ عدد المستفيدين 13,050 شخصاً في 2023، وأُجريت خلال العام نفسه 650 عملية.
وفي 2024، ارتفع عدد المستفيدين إلى 29,602، فيما بلغ عدد العمليات 1,298.
أما في 2025، فسجل المشفى 23,831 مستفيداً و973 عملية، بينما بلغ عدد المستفيدين خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 نحو 9,368 شخصاً، مع إجراء 710 عمليات.
علاج طويل ومكلف
وقال الحسين إن علاج الحروق لا يقتصر على التدخل الطبي الأولي، بل يحتاج في كثير من الحالات إلى عمليات جراحية متكررة بعد خروج المريض من المستشفى.
إضافة إلى ذلك، يحتاج المرضى إلى جلسات علاج فيزيائي ودعم نفسي ومراجعات دورية لدى أطباء متخصصين.
ولهذا، ترتفع التكلفة الإجمالية للعلاج، وهو ما يجعل الخدمات المجانية التي يقدمها المشفى ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل.
مخاوف المرضى
قال أبو صلاح، وهو أحد المستفيدين من خدمات المشفى، إن توقف العمل الكامل شكّل صدمة للأهالي، مشيراً إلى أن المنشأة كانت تستقبل المرضى مجاناً من مناطق تمتد من ريف عفرين حتى جرابلس، قبل أن يتسع نطاق المستفيدين لاحقاً ليشمل مناطق أخرى، بينها الرقة.
وأضاف أن كثيراً من المرضى غير قادرين على تحمل تكلفة المستشفيات الخاصة، لافتاً إلى أن تخصص الحروق والجراحة التجميلية ليس متاحاً بسهولة حتى في القطاع الخاص، ما يجعل العثور على بديل مناسب أكثر صعوبة.
من جهته، قال أحمد عاد الخطيب، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة ويعاني من الشلل، إن توقف الخدمات سيؤثر بصورة خاصة على المرضى الذين يحتاجون إلى علاج ومتابعة مستمرة.
وأوضح أنه يعاني من تقرحات الفراش ويحتاج إلى مراجعات دورية لدى أطباء الجراحة التجميلية، مطالباً بإعادة المشفى إلى كامل طاقته التشغيلية.
أزمة تمويل أوسع
ولا يقتصر تعثر العمل على مشفى مارع وحده، بل يأتي ضمن أزمة تمويل أوسع تواجه القطاع الصحي في شمال غرب سوريا.
وكانت منظمة الصحة العالمية قالت في حزيران/يونيو 2025 إن 172 منشأة صحية في شمال غرب سوريا كانت معرضة لخطر توقف التمويل.
وشملت هذه المنشآت 11 مستشفى عاماً و23 مستشفى تخصصياً وأكثر من 100 مركز للرعاية الصحية الأولية.
وقدرت المنظمة الحاجة بنحو 48.7 مليون دولار لضمان استمرار عمل هذه المنشآت لمدة عام.
وقبل ذلك، حذرت المنظمة في آذار/مارس 2025 من أن 246 منشأة صحية في شمال غرب وشمال شرق سوريا تواجه خطر الإغلاق بسبب نقص التمويل.
وفي الوقت نفسه، قالت إن 57 بالمئة فقط من مستشفيات البلاد و37 بالمئة من مراكز الرعاية الأولية كانت تعمل بكامل طاقتها.
منشآت مرتبطة بدورات التمويل
يجسد وضع مشفى مارع تحدياً أوسع تواجهه المنشآت التي أُنشئت أو توسعت خلال سنوات الحرب بدعم من منظمات دولية وصناديق مانحة.
ففي كثير من الحالات، تبقى المباني والكوادر موجودة، لكن استمرارية العمل ترتبط بتمويل الرواتب والأدوية والمستهلكات والطاقة والصيانة.
وعندما ينتهي عقد التمويل، تتراجع القدرة التشغيلية حتى لو لم يصدر قرار رسمي بإغلاق المنشأة.
وهذا ما يحدث حالياً في مارع، حيث يواصل الكادر تقديم جزء من الخدمات تطوعياً إلى حين استكمال ترتيبات التمويل الجديدة.
نحو دمج أكبر مع وزارة الصحة
في المقابل، تسعى السلطات الصحية السورية إلى ربط هذه المنشآت بصورة أكبر بوزارة الصحة ومديرياتها المحلية.
وكانت الوزارة قد أعلنت توقيع اتفاق مع صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا لدعم عدد من المنشآت الصحية في ريف حلب الشمالي، من بينها مشفى الحروق في مارع.
كما تشمل ترتيبات الدعم منشآت صحية أخرى ومنظومة الإسعاف، في إطار محاولة الحفاظ على الخدمات الأساسية وتقليل فترات الانقطاع.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن استقرار النظام الصحي في سوريا يتطلب الانتقال من التمويل الإنساني قصير الأجل إلى تمويل أكثر استدامة ومتعدد السنوات.
وبالتالي، فإن التحدي في مشفى مارع لا يتعلق بوجود المنشأة أو الكادر الطبي، بقدر ما يتعلق بقدرة الجهات المعنية على ضمان تمويل مستقر يتيح استمرار الخدمات من دون انقطاع متكرر.