على الأرصفة والحدائق المحيطة بمشفى الأطفال الجامعي في منطقة المزة بدمشق، يقضي عشرات الأهالي أيامًا وأسابيع، وبعضهم أشهرًا، بانتظار انتهاء رحلة علاج أطفالهم.
جاؤوا من دير الزور والرقة والحسكة وحمص، بعدما عجزت مناطقهم عن توفير العلاج أو الاختصاصات الطبية التي تحتاجها حالات أبنائهم، لكن رحلة البحث عن العلاج تحولت بالنسبة لكثير منهم إلى معاناة أخرى، عنوانها غياب المأوى وارتفاع تكاليف الإقامة في دمشق.
ويقول الأهالي لـ”سوريا 24” إن المشفى يسمح بدخول مرافق واحد مع الطفل، وغالبًا ما تكون الأم، فيما يضطر بقية أفراد الأسرة إلى البقاء خارجه، ما يدفع بعضهم إلى النوم في الشوارع أو تحت الأشجار بالقرب من المشفى، تحسبًا لأي طارئ صحي يستدعي وجودهم.
مرافق واحد داخل المشفى.. والبقية في الشارع
يقول أبو حمزة، القادم من دير الزور، لـ”سوريا 24”، إنه أمضى نحو شهر ونصف في محيط المشفى لمتابعة علاج ابنه البالغ سبع سنوات، والذي يعاني من حالة صحية تتطلب رعاية مستمرة.
ويضيف: “أنا هنا منذ شهر ونصف، وأعيش المعاناة نفسها يوميًا. ابني يبلغ سبع سنوات ولا يستطيع المشي، ولديه وريد في يده، وعندما تخرج والدته يتأذى الوريد ويحتاج إلى من يساعده، لكن يُمنع دخولي إليه”.
ويشير إلى أن عدم قدرته على استئجار غرفة في دمشق أجبره على البقاء في الشارع، مضيفًا: “نحن لسنا هنا للتنزه، بل جئنا لعلاج أطفالنا. كثيرون يظنون أننا موجودون في المكان من دون سبب، بينما نحن ننتظر علاج أبنائنا”.
ويقول الأهالي إن هذا الوضع يتكرر مع عشرات العائلات التي تجد نفسها أمام خيارين: دفع مبالغ لا تستطيع تحمّلها مقابل السكن، أو البقاء في محيط المشفى طوال فترة العلاج.
رحلة علاج تبدأ من المحافظات وتنتهي على الأرصفة
تأتي نسبة كبيرة من الأهالي من دير الزور والرقة والحسكة، نتيجة محدودية الخدمات الطبية المتخصصة في مناطقهم، ولا سيما في علاج أمراض الدم والأورام وتشوهات القلب، إضافة إلى بعض العمليات والفحوص الطبية المتقدمة.
ومن القامشلي، تقول أم آلان لـ”سوريا 24” إنها قدمت إلى دمشق لمتابعة علاج ابنها المصاب بتشوه خلقي في القلب، بعد عدم تمكنها من الحصول على الرعاية الطبية المطلوبة في منطقتها.
وتوضح: “جئنا من الحسكة لأن حالة ابني تحتاج إلى أطباء اختصاصيين غير متوافرين لدينا. دمشق تضم أطباء متخصصين في مثل هذه الحالات، لكن المشكلة هي عدم وجود مكان للإقامة”.
وتضيف أن ارتفاع تكاليف الفنادق يجعل الإقامة فيها شبه مستحيلة بالنسبة لعائلتها، قائلة: “تصل تكلفة الفندق إلى نحو 150 ألف ليرة لليلة الواحدة، وهذا مبلغ لا نستطيع تحمّله. لذلك أنام قرب المشفى حتى أبقى قريبة من ابني في حال حدوث أي طارئ”.
وبحسب أم آلان، يبقى زوجها خارج المشفى أيضًا، في ظل اقتصار الدخول على مرافق واحد.
أما أبو سراج، القادم من الرقة، فيرافق ابنه المصاب بسرطان الدم، ويقول لـ”سوريا 24”: “لم نجد العلاج المناسب لحالة ابني في الرقة، لذلك اضطررنا إلى القدوم إلى دمشق. نحن هنا منذ أسبوعين، ولا نملك المال لاستئجار مكان للإقامة، فنضطر أنا وزوجتي إلى النوم في محيط المشفى”.
ويضيف: “لو كان هناك طبيب في الرقة قادر على علاج حالة ابني، لما اضطررنا إلى القدوم. نعلم أن في دمشق أطباء متخصصين، لكننا لا نجد مكانًا نقيم فيه خلال فترة العلاج”.
شكاوى من الخدمات وظروف الانتظار
ولا تقتصر معاناة الأهالي على غياب أماكن الإقامة، إذ يتحدث عدد منهم عن صعوبات تتعلق بالدخول والخدمات داخل المشفى.
ويشتكي الأهالي من القيود المفروضة على إدخال الطعام والأدوية، إذ يقولون إن إدخال الأدوية يحتاج في بعض الحالات إلى موافقات أو أوراق رسمية، حتى عندما تكون الأدوية مطلوبة من الطبيب المعالج.
ويقول أبو حمزة لـ”سوريا 24”: “طلب مني الطبيب شراء دواء محدد، وعندما عدت إلى المشفى لمنحه للطفل مُنعت من إدخاله، وطُلبت مني ورقة رسمية من البوابة. لا أفهم سبب منع الدواء إذا كان الطبيب نفسه قد طلبه”.
كما يشير الأهالي إلى تعطل المصاعد في بعض الأحيان، ما يضطر الأمهات إلى حمل أطفالهن بين الطوابق، إضافة إلى دفع مبالغ لقاء استخدام الحمامات، تتراوح، بحسب إفاداتهم، بين 200 و300 ليرة.
ويشتكون كذلك من غياب صالات انتظار أو أماكن مخصصة لمرافقي المرضى، ما يجعل الأرصفة والحدائق المحيطة بالمشفى مساحة انتظار مفتوحة في مواجهة ظروف الطقس المختلفة.
عندما يصبح السكن جزءًا من رحلة العلاج
يقول أبو يوسف، القادم من حمص، لـ”سوريا 24” إنه اصطحب ابنه إلى دمشق بعدما لم يتمكن الأطباء في حمص من الوصول إلى نتيجة واضحة بشأن حالته.
ويضيف: “اصطحبت ابني إلى حمص، لكن لم نصل إلى نتيجة واضحة، لذلك جئت به إلى دمشق أملًا في الحصول على تشخيص وعلاج أفضل.
إلا أن ظروف التعامل مع الأهالي صعبة، ونتعرض أحيانًا لتعليقات جارحة بسبب وجودنا في محيط المشفى، رغم أننا مضطرون إلى البقاء هنا”.
ويقول الأهالي إن اضطرارهم إلى البقاء بالقرب من المشفى مرتبط بطبيعة حالات أطفالهم، التي تتطلب مراجعات متكررة أو متابعة يومية، ما يجعل استئجار سكن بعيد أو العودة إلى محافظاتهم خيارًا صعبًا ومكلفًا.
وتتحول تكاليف الإقامة والطعام والتنقل، بالنسبة إلى عائلات محدودة الدخل، إلى عبء إضافي يضاف إلى تكاليف رحلة العلاج نفسها.
لماذا دمشق؟
رغم صعوبة الظروف، يواصل الأهالي التوافد إلى دمشق بسبب توفر اختصاصات طبية وخدمات لا يجدونها في محافظاتهم، وفق شهاداتهم.
وتشمل هذه الخدمات علاج أمراض الدم والأورام، وبعض حالات تشوهات القلب، إضافة إلى فحوص وتحاليل وخدمات تشخيصية متخصصة.
ويقول أبو سراج لـ”سوريا 24”: “لو كان هناك طبيب في الرقة قادر على علاج حالة ابني، لما جئنا إلى دمشق. اضطررنا إلى المجيء لأن العلاج غير متوفر لدينا، لكننا في الوقت نفسه لا نملك مكانًا نقيم فيه”.
وتعكس هذه الشهادات واقعًا تواجهه عائلات تضطر إلى التنقل لمسافات طويلة بحثًا عن العلاج، لتجد نفسها أمام تحدٍّ آخر بمجرد الوصول إلى دمشق: كيف تؤمّن مكانًا للإقامة طوال فترة علاج طفل قد تمتد أسابيع أو أشهر؟
أطفال في غرف العلاج.. وأهالٍ على الأرصفة
في محيط مشفى الأطفال الجامعي، تتكرر يوميًا مشاهد الأهالي المفترشين للأرض، حاملين حقائب صغيرة وعبوات مياه وأكياس طعام، بينما يبقى أطفالهم داخل أقسام المشفى لتلقي العلاج.
بعضهم يمضي أيامًا، وبعضهم أسابيع، فيما يقول آخرون إنهم أمضوا أكثر من شهر في المكان، بانتظار تحسن حالة أطفالهم أو انتهاء العلاج.
ويقول أبو سراج لـ”سوريا 24”: “قد نتحمل ظروف الإقامة الصعبة، لكن الأولوية بالنسبة لنا هي أن يتعافى أطفالنا. المشكلة أننا لا نملك مكانًا آمنًا نقيم فيه خلال فترة العلاج”.
وبين حاجة الأطفال إلى العلاج المتخصص وحاجة ذويهم إلى مكان يحفظ كرامتهم ويوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الإقامة، تبقى الأرصفة المحيطة بالمشفى ملاذًا اضطراريًا لعائلات جاءت إلى دمشق بحثًا عن العلاج، لكنها لم تجد مأوى خلال رحلة علاج أطفالها.
