يواجه مزارعو التين في ريف إدلب موسماً صعباً، مع تراجع الإنتاج وتساقط نسبة كبيرة من الثمار قبل موعد القطاف، فيما وصلت الخسائر في بعض المناطق إلى نحو 70 و90 بالمئة.
ويربط مزارعون وخبراء أسباب التراجع باضطراب عملية العقد والتلقيح، ولا سيما في أصناف التين المعروفة محلياً باسم «البراف»، إلى جانب تأثير الظروف المناخية وتضرر عدد من البساتين والأشجار، ما انعكس على حجم الإنتاج وجودته.
ورغم ارتفاع سعر كيلو التين هذا العام، فإن المزارعين لا يرون في ذلك تعويضاً عن انخفاض الكميات المنتجة، في ظل اعتماد كثير من الأسر على المحصول كمصدر رئيسي للدخل، ومخاوف من استمرار تداعيات الخسائر خلال المواسم المقبلة.
وقال عبد الكريم زعتور لـ«سوريا 24» إن موسم التين هذا العام تضرر بشكل كبير نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، ما انعكس على كمية الإنتاج وجودته، بالتزامن مع تراجع إنتاج الزيتون.
وأوضح زعتور أن محصولي التين والزيتون يشكلان مصدر الدخل الأساسي بالنسبة إليه، إذ يعتمد على بيع إنتاج التين، فيما كان يحصل خلال المواسم السابقة على نحو 300 إلى 400 كيلوغرام من زيت الزيتون.
وأضاف أن الظروف المناخية هذا العام أدت إلى تراجع ملحوظ في الإنتاج، ما حدّ من قدرته على بيع التين بالكميات المعتادة، مشيراً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة لم يكن العامل الوحيد وراء الخسائر، إذ تعرضت الأشجار والثمار لأضرار في عدد من المناطق.
ولفت إلى أن الثمار المتبقية تتعرض أيضاً لنقر الطيور، ما يزيد من حجم الخسائر التي يتكبدها المزارعون ويضاعف أعباء الموسم الحالي.
أشجار مدمرة وغراس تحتاج إلى سنوات
من جهته، قال حسين زعتور، من منطقة كفرنبل، لـ«سوريا 24» إن منطقة طريشا كانت تُعد من المناطق المهمة في إنتاج التين بالنسبة إلى مزارعي المنطقة، قبل أن تتعرض أشجارها للدمار والحرق خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن عودتهم إلى المنطقة أظهرت حجم الأضرار التي لحقت بالبساتين، مشيراً إلى أن معظم أشجار التين احترقت وجفّت، ولم يتبقَّ منها سوى عدد قليل.
ولفت إلى أنه كان يمتلك نحو 50 شجرة تين كبيرة ومثمرة، لكنه لم يجد بعد عودته سوى أربع أشجار.
وأضاف أن المزارعين بدأوا إعادة زراعة الغراس، إلا أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى سنوات من الرعاية والري والعناية قبل أن تصل إلى مرحلة الإنتاج.
ويضطر المزارعون حالياً إلى نقل المياه بواسطة الصهاريج وشرائها على نفقتهم الخاصة لري الغراس الصغيرة والحفاظ عليها، ما يزيد تكاليف إعادة تأهيل البساتين.
وأشار زعتور إلى أن موسم التين هذا العام لم يكن بالمستوى المأمول، نتيجة الأضرار التي لحقت بالأشجار، مؤكداً أن تراجع الإنتاج زاد من صعوبة أوضاع المزارعين الذين يعتمدون على التين مصدراً أساسياً للدخل.
وطالب وزارة الزراعة والجهات المعنية بالنظر في أوضاع المزارعين العائدين إلى أراضيهم، وتقديم الدعم اللازم لإعادة تأهيل البساتين ومساعدة الغراس الجديدة على النمو، بما يسهم في استعادة الإنتاج الزراعي في المنطقة.
الأمطار والتغيرات المناخية
وفي السياق، قال المهندس زياد الحكيم، رئيس الجمعية الفلاحية في الدانا، لـ«سوريا 24» إن السبب الرئيسي وراء تراجع الإنتاج وضعف العقد الثمري يعود إلى كثرة الهطولات المطرية التي شهدها الموسم الحالي، والتي أدت إلى نقص بعض العناصر الغذائية في التربة، ولا سيما البورون والبوتاسيوم، وهما من العناصر الأساسية في عملية العقد والنمو الثمري.
وأوضح الحكيم أن كثرة الأمطار والتغيرات المناخية دفعت الأشجار إلى التركيز على النمو الخضري على حساب النمو الثمري، ما انعكس على أشجار الزيتون وعلى عملية العقد.
وأشار إلى أن الأشجار الكبيرة لا تتأثر بالهطولات والتغيرات المناخية بالدرجة نفسها التي تتأثر بها الأشجار الصغيرة، ما يستدعي إيلاء الأشجار الحديثة عناية خاصة.
ونصح الحكيم المزارعين خلال الموسم المقبل بدعم الأشجار بعنصري البورون والبوتاسيوم، بما يساعد على تعزيز النمو الثمري، إلى جانب تقليم أشجار الزيتون خلال فصل الشتاء، للسماح بدخول أشعة الشمس إلى داخل الشجرة وتحسين التهوية.
وشدد على أهمية التسميد المتوازن، مع تجنب الإفراط في استخدام الأسمدة الآزوتية، مثل اليوريا، لأنها تشجع النمو الخضري على حساب النمو الثمري، مؤكداً ضرورة استخدام الأسمدة الآزوتية فقط عند وجود نقص فعلي في عنصر الآزوت لدى الأشجار.
وأوضح أن التسميد بالبورون يسهم في تحفيز الأشجار على العقد وزيادة الإنتاج الثمري، مشيراً إلى أن التوصية تتمثل في إضافة 100 غرام من سماد البورون إلى كل 100 لتر من الماء، ورشه جيداً على أوراق شجرة التين.
وبحسب حجم الشجرة، تحتاج الشجرة الواحدة، وفق الحكيم، إلى نحو 10 إلى 15 غراماً من سماد البورون، لافتاً إلى أن هذا التسميد يساعد على تحسين عملية العقد وتشجيع النمو الثمري، بما يسهم في زيادة حمل الشجرة وإنتاجيتها.
وبين خسارة جزء كبير من المحصول، وتضرر الأشجار القديمة، وارتفاع تكاليف رعاية الغراس الجديدة، يجد مزارعو التين في ريف إدلب أنفسهم أمام موسم دون التوقعات، رغم أهمية المحصول كمصدر دخل أساسي لعدد كبير من الأسر.
وتبقى إعادة تأهيل البساتين، ودعم المزارعين في رعاية الأشجار الجديدة، وتحسين ممارسات التسميد والعناية الزراعية، من أبرز التحديات التي تواجه قطاع التين في المنطقة، بهدف استعادة الإنتاج وتعزيز قدرة المحصول على دعم سبل عيش المزارعين خلال المواسم المقبلة.




