من البساتين إلى المزارع.. كيف تغيّر سيران الغوطة؟

حجم الخط

كان السيران إلى غوطة دمشق طقساً صيفياً مألوفاً لدى العائلات الدمشقية، تحمل فيه الأسرة طعامها وأمتعتها وتتجه إلى البساتين لقضاء يوم بين الأشجار والمياه، وكانت تلك النزهة لا تحتاج إلى حجز مسبق أو تكاليف كبيرة.

ولا يزال بعض أبناء الغوطة يحافظون على جانب من هذا التقليد، فيخرجون بطعامهم ويبحثون عن مكان مفتوح بين الأشجار أو بالقرب من المياه، لكن شكل النزهة تغيّر بالنسبة إلى كثير من سكان دمشق وريفها.

فقد حلّت المزارع الخاصة والاستراحات المحجوزة، بما توفره من خصوصية ومسابح وخدمات، مكاناً متزايداً من البساتين المفتوحة.

ولا يرتبط هذا التحول بتغير عادات الترفيه فحسب، بل بتبدل المكان نفسه، وتراجع البساتين والمصادر المائية وتداعيات سنوات الثورة والحرب، كما جعلت الظروف الاقتصادية الرحلات إلى المناطق الساحلية والمصايف البعيدة أكثر كلفة على كثير من العائلات.

الغوطة التي تغيّرت.. والسيران الذي تغيّر معها
يقول رئيس بلدية كفربطنا مهند خربوطلي لـ”سوريا بلس” إن الغوطة “لم تعد كما كانت، ولا السيران فيها كما كان”، مشيراً إلى أن الأشجار والينابيع والأنهار تراجعت بشكل كبير”.

وأوضح أن الأراضي تعرضت للتصحر، فيما استُخدمت الأشجار خلال سنوات الحصار للتدفئة والطبخ، ما انعكس على طبيعة المنطقة ومساحاتها الخضراء.

وعُرفت الغوطة الشرقية تاريخياً بأنها أحد أهم الأحزمة الزراعية المحيطة بدمشق، ووفرت بساتينها وأراضيها الزراعية جانباً مهماً من احتياجات العاصمة من الفاكهة والخضروات.

لكن سنوات الثورة وما رافقها من أضرار في البنية التحتية ونزوح للسكان، إلى جانب تراجع مصادر المياه وموجات الجفاف، تركت آثاراً كبيرة على النشاط الزراعي في المنطقة.

وتشير تقارير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن تدهور التربة وتضرر شبكات الري ونقص المياه أسهمت في إضعاف الإنتاج الزراعي في الغوطة خلال السنوات الماضية.

ويستعيد أبو يوسف، من أهالي جسرين، صورة الغوطة في السابق، حين كانت العائلات تتوافد إليها للجلوس تحت أشجار الجوز والمشمش، وكانت السواقي والينابيع، بحسب قوله، جزءاً أساسياً من المشهد.

ويقول لـ “سوريا بلس” إن تراجع المياه وجفاف بعض مصادرها، إلى جانب تضرر البساتين وتراجع المساحات الخضراء، غيّر طبيعة الأماكن التي اعتاد السكان قصدها للنزهة.

ويربط ذلك أيضاً بتجريف الأراضي وترك أجزاء منها لسنوات من دون زراعة.
من البستان المفتوح إلى المزرعة الخاصة
يقول أبو سعيد، وهو فلاح وصاحب منتزه سابق من أهالي الغوطة الشرقية، إن تراجع المنتزهات الشعبية لا يمكن فصله عن آثار النزاع المسلح خلال سنوات الثورة.

وأضاف لـ”سوريا بلس” أن العمليات العسكرية وما رافقها من تهجير وتضرر للأراضي والبنية الزراعية أثرت مباشرة في عمل الفلاحين والمنتزهات.

كما واجه العائدون إلى المنطقة صعوبات في استعادة النشاط الزراعي.
ويرجع أبو سعيد ذلك إلى نقص الأيدي العاملة نتيجة مقتل أعداد من السكان خلال الحرب والهجرة، إضافة إلى ترك البعض الزراعة والانتقال إلى مهن أخرى.

وكانت الغوطة الشرقية إحدى أبرز ساحات النزاع في محيط دمشق، وشهدت لسنوات حصاراً ومعارك وقصفاً واسعاً قبل تغير السيطرة عليها في 2018 ونزوح عشرات الآلاف من سكانها.

وخلّفت تلك السنوات أضراراً واسعة في الأراضي الزراعية وشبكات الري والمرافق والبنية الخدمية في عدد من بلداتها.
ويضيف أبو سعيد أن نقص مستلزمات الإنتاج ومشكلة الكهرباء، التي تعرقل تشغيل الآبار واستخراج المياه، زادا من صعوبة استعادة النشاط الزراعي إلى سابق عهده.

ومع تراجع النشاط الزراعي والمنتزهات الشعبية، برزت المزارع الخاصة بوصفها بديلاً للترفيه.
وتعتمد هذه المزارع على استثمارات فردية، وتقدم للزوار خدمات وخصوصية لم تكن جزءاً من نموذج السيران التقليدي.
حين أصبح السيران يحتاج إلى حجز
يقول أبو زياد، من حي الشاغور في دمشق، إن مظاهر السيران الشعبي تراجعت لصالح استئجار المزارع الخاصة والحجز المسبق.
ويستعيد فترة كانت فيها العائلات تخرج من أحياء دمشق باتجاه الغوطة، وتحضر طعامها معها، وتقضي يومها بين الأشجار وبالقرب من الأنهار من دون الحاجة إلى تحمل تكاليف مرتفعة.

أما اليوم، فأصبح قضاء يوم في الغوطة بالنسبة إلى كثير من الزوار مرتبطاً باستئجار مزرعة توفر الخصوصية والمسبح والخدمات، ويتزامن ذلك مع ارتفاع كلفة الرحلات إلى البحر والمصايف البعيدة.

ويجعل ذلك المزارع القريبة خياراً عملياً لبعض الأسر، حتى وإن كانت كلفتها أعلى بكثير من نموذج السيران الشعبي القديم.
وتعاني الأسر السورية منذ سنوات من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والطاقة، ما انعكس على خيارات الترفيه والسفر، في المقابل، لا يزال بعض أبناء الغوطة يفضلون النمط التقليدي للنزهة.

ويقوم هذا النمط على إعداد الطعام في المنزل والجلوس في الهواء الطلق والبحث عن مساحة مفتوحة بين الأشجار أو بالقرب من المياه، وبذلك، لم يختفِ السيران تماماً، لكنه تغير في مكانه وطريقته وكلفته.

المياه.. من عنصر جذب إلى مصدر قلق
لا يقتصر التحول في نمط النزهة على تغير شكل المكان، إذ يطرح انتشار المزارع الخاصة، ولا سيما تلك التي تضم مسابح، إشكالية أخرى تتعلق باستخدام المياه.

وفي حزيران/يونيو 2026، شهدت الغوطة الشرقية إجراءات وتحذيرات رسمية مرتبطة بالمسابح والمزارع المخالفة.

وجاءت الإجراءات في سياق حماية الأراضي الزراعية والموارد المائية، وشملت اتخاذ إجراءات بحق آبار ومسابح مخالفة.

وأثار توسع المنشآت الترفيهية التي تعتمد على المياه، ولا سيما في المناطق الزراعية، نقاشاً بشأن تأثيرها في المياه الجوفية في وقت تواجه فيه المنطقة ضغوطاً متزايدة على مصادرها المائية.

وتأتي هذه الضغوط بعد سنوات من تضرر شبكات الري وتراجع بعض مصادر المياه، إلى جانب فترات الجفاف وضعف الهطولات، ولا يقتصر التعامل مع المشكلة على منع الاستخدام المخالف.

إذ تترافق الإجراءات التنظيمية مع محاولات لتحسين واقع الموارد المائية في المنطقة، ففي تموز/يوليو 2026، واصلت مديرية الموارد المائية في دمشق وريفها أعمال إعادة تأهيل مجرى نهر الريحان في الغوطة الشرقية.

وشملت الأعمال إزالة الردميات ومخلفات البناء من أجزاء من المجرى، بهدف تحسين جريان المياه وإعادة تأهيل الوضع البيئي والمائي في المنطقة.

كما يجري العمل على إعادة استخدام المياه المعالجة في ري أراضي الغوطة الشرقية، ويهدف المشروع إلى توفير مصدر إضافي للري وتخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية.

وتشير بيانات المشروع إلى إمكانية ري نحو 18.7 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالمياه المعالجة القادمة من محطة عدرا.
وتعد محطة عدرا لمعالجة مياه الصرف أحد المصادر المهمة للمياه المستخدمة في ري مساحات من أراضي الغوطة، بعد تضرر أجزاء من بنيتها وتجهيزاتها خلال سنوات الحرب.

ويأتي الاعتماد على المياه المعالجة ضمن مساعٍ لتوفير بدائل لمصادر الري التقليدية التي تعرضت لضغوط متزايدة.
هل يمكن أن يعود سيران الغوطة؟
لا تتعلق المشكلة باختفاء أماكن التنزه وحدها، بل بتراجع البيئة التي نشأ فيها تقليد السيران أساساً، فالسيران القديم كان يعتمد على البساتين والأشجار والمياه والمساحات المفتوحة.

ومع تراجع هذه العناصر، أصبح الزائر يبحث عن بديل يوفر له جزءاً مما فقده، وهكذا برزت المزارع الخاصة والاستراحات بوصفها نموذجاً جديداً للنزهة.

لكن استعادة السيران القديم لا تبدو مرتبطة بمنع المزارع والاستراحات الخاصة وحدها، كما أن تنظيم هذه المنشآت وضبط استخدامها للمياه يمثلان جزءاً من معالجة أوسع لمشكلة الموارد المائية.

وتشير الإجراءات والمشاريع الحالية إلى أن استعادة جزء من الوظيفة الزراعية والبيئية للغوطة تتطلب إعادة تأهيل المجاري المائية وتنظيم استخدام الآبار والمسابح.

وتتطلب أيضاً تحسين إدارة المياه المخصصة للزراعة والاستفادة من المياه المعالجة في الري، أما إعادة السيران إلى صورته القديمة، فتحتاج قبل كل شيء إلى استعادة جزء من البساتين والمياه والمساحات الخضراء التي جعلت الغوطة وجهة للنزهة على مدى عقود.

وبين عائلة تحمل طعامها وتجلس في مساحة مفتوحة، وأخرى تحجز مزرعة خاصة لقضاء يوم واحد، تبدو المسافة بين سيران الأمس واليوم واسعة، فالسيران لم يختفِ تماماً، لكنه انتقل تدريجياً من البستان المفتوح إلى المكان المحجوز.
ويبقى السؤال الأوسع: هل يمكن استعادة الغوطة نفسها، لا مجرد استعادة عادة السيران فيها؟