من الدستور إلى القواعد الأجنبية وإسرائيل.. ماذا قال الشرع في حوار المجلس الأطلسي؟

حجم الخط

استعرض الرئيس السوري أحمد الشرع رؤيته للمرحلة المقبلة في سوريا، متحدثاً عن شكل الحكم والدستور الجديد وبناء الجيش، ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي، وحقوق الأكراد واندماج قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب المفاوضات مع إسرائيل والعلاقات مع لبنان والعراق.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية نظمها المجلس الأطلسي في نيويورك، الثلاثاء 22 أيلول، على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأدارها بريت ماكغورك، الذي كان مبعوثاً خاصاً للرئيس أوباما للتحالف الدولي في الشرق الأوسط.

وقال الشرع إن المرحلة الانتقالية، المحددة بخمس سنوات، يُفترض أن تقود إلى بناء نظام قائم على المؤسسات والقانون، مؤكداً أن الصلاحيات الممنوحة للرئاسة في المرحلة الحالية لا تمثل بالضرورة الشكل النهائي لنظام الحكم في سوريا.

مؤسسات ودستور جديد

وفي حديثه عن إدارة المرحلة الانتقالية، قال الشرع إن السلطات بدأت بعد سقوط النظام السابق بتثبيت الوضع الأمني، قبل عقد المؤتمر الوطني وإصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة ومجلس الشعب.

وأوضح أن مجلس الشعب سيتولى مراجعة القوانين والتشريعات القائمة، كما ستُشكل لجنة لصياغة الدستور الجديد، على أن تُستكمل هذه العملية قبل انتهاء السنوات الخمس المحددة للمرحلة الانتقالية.

ورفض الشرع اعتماد المحاصصة في توزيع السلطة على أساس العرق أو الدين أو المناطق الجغرافية، معتبراً أن المشاركة السياسية شيء والمحاصصة شيء آخر، وأن بناء مؤسسات الدولة ينبغي ألا يقوم على تقسيم المجتمع إلى حصص طائفية أو قومية.

وفي ما يتعلق بصلاحيات الرئاسة، قال إن المرحلة الانتقالية لا يمكن القياس عليها لتحديد مستقبل النظام السياسي، وإن الهدف هو تكريس احترام القانون وجعل مؤسسات الدولة أساس الحكم، بحيث يؤدي الرئيس دوره ضمن الصلاحيات التي يحددها الدستور والقوانين.

وحول العلاقة بين دمشق والمحافظات، أشار الشرع إلى استمرار العمل بقانون الإدارة المحلية ومنح المحافظين صلاحيات واسعة، لافتاً إلى أن التشريعات المنظمة لهذا الملف تخضع للمراجعة والتطوير.

الجيش والأجهزة الأمنية

وتناول الشرع عملية بناء الجيش والمؤسسات الأمنية بعد سقوط النظام السابق، قائلاً إن السلطات واجهت في البداية تحدي منع حدوث فراغ أمني بالتوازي مع إعادة تنظيم القوى العسكرية الموجودة على الأرض.

وأوضح أن العملية تضمنت تفكيك الفصائل المسلحة وإدخال عناصرها ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب التدقيق في خلفيات المنتسبين ووضع معايير للتجنيد وإنشاء معسكرات وبرامج تدريب.

وأقر بوقوع أخطاء وحوادث أمنية خلال المرحلة الأولى، مرجعاً ذلك إلى الظروف الاستثنائية وسرعة استقطاب أعداد كبيرة لحماية مؤسسات الدولة، لكنه قال إن القوات العسكرية والأمنية انتقلت لاحقاً إلى مستوى أعلى من التنظيم والمهنية.

حقوق الأكراد وملف «قسد»

وفي ملف الأكراد، وصف الشرع سوريا بأنها مجتمع متعدد الخلفيات الدينية والعرقية والثقافية، مؤكداً أن الأكراد أحد مكونات المجتمع السوري.

وقال إن المرسوم رقم 13 منح اعترافاً بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، وإنه سيصبح جزءاً من الدستور المقبل، مشيراً إلى أن العمل جارٍ لتطبيقه، بما في ذلك دراسة التفاصيل المتعلقة باللغة الكردية والمناهج من قبل الجهات المختصة في وزارة التربية والتعليم.

وشدد الشرع على ضرورة الفصل بين المكون الكردي وبين قوات سوريا الديمقراطية، قائلاً إن ملف الاندماج يتعلق بتشكيلات عسكرية ولا يمثل موقفاً من الأكراد باعتبارهم مكوناً سورياً.

وفي موضع آخر من الجلسة، قال الشرع إن قوات سوريا الديمقراطية جرى تفكيكها ودمج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة، وإن القوات السورية باتت تتولى مسؤولية المناطق التي كانت تنتشر فيها «قسد».

لا قواعد عسكرية أجنبية

وفي حديثه عن الوجود العسكري الخارجي، قال الشرع إن سوريا تتجه إلى عدم وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، معتبراً أن السيادة الكاملة للدولة تتطلب معالجة أشكال الوجود العسكري التي نشأت خلال سنوات الحرب.

وأوضح أن السلطة الجديدة ورثت انتشاراً روسياً واسعاً في البلاد، قال إنه بلغ سابقاً نحو 170 نقطة عسكرية قبل أن يتقلص إلى قاعدتين.

وأضاف أن مفاوضات جرت مع موسكو لتحويل طبيعة هاتين القاعدتين بحيث تصبحان مرتبطتين بتدريب الجيش السوري بدلاً من استخدامهما كقاعدتين لتنفيذ العمليات العسكرية أو تقديم الدعم اللوجستي، مشيراً إلى أن التفاهمات لا تزال قيد الاستكمال.

أما بالنسبة إلى القوات التركية، فقال الشرع إن دخولها إلى سوريا ارتبط في حينه بظروف الحرب وأمن الحدود التركية، وإن عدد المواقع تقلص، بينما تجري مناقشات لتحديد الوضع القانوني لأي وجود متبقٍ.

وأكد أن أي وجود أجنبي ينبغي أن يكون ضمن صيغة قانونية توافق عليها مؤسسات الدولة ومجلس الشعب وتحفظ السيادة السورية.

انسحاب القوات الأميركية

وحول الوجود الأميركي، قال الشرع إن انسحاب القوات الأميركية من سوريا تم بصورة آمنة ومنظمة وفي ظل تفاهمات واضحة، معتبراً أن الخطوة لم تؤدِّ إلى فراغ أمني في المناطق التي غادرتها.

وأضاف أن دمشق منفتحة على التعاون مع الولايات المتحدة ودول أخرى في مجال تدريب القوات السورية والاستفادة من الخبرات العسكرية، ضمن إطار يحفظ سيادة الدولة ويعزز قدرات مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

المفاوضات مع إسرائيل

وعن العلاقة مع إسرائيل، قال الشرع إن دمشق اختارت التعامل مع التطورات التي أعقبت سقوط النظام عبر المسار الدبلوماسي، وإنها خاضت عدة جولات من المحادثات بمشاركة أميركية.

وأضاف أن المباحثات وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 90 في المئة من اتفاق قبل أن تتعثر، مشيراً إلى أن الأولوية السورية تتمثل في معالجة الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول 2024 والتوصل إلى ترتيبات أمنية، قبل الانتقال إلى أي بحث يتعلق بسلام دائم.

وأكد الشرع أن قضية الجولان منفصلة عن الترتيبات المتعلقة بالمناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية حديثاً، مشدداً على أن أحداً لا يملك حق التنازل عن الجولان.

وكشف أنه ناقش هذا الملف سابقاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقال إنه مازحه بشأن الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، مقترحاً عليه «إعطاءهم نيوجيرسي بدلاً من الجولان»، قبل أن يؤكد أن أرض الجولان تعود لأهلها وأنه لا يحق لرئيس سوري أو أميركي التنازل عنها.

وفي رده على سؤال حول المخاوف الأمنية لدى الإسرائيليين بعد أحداث 7 تشرين الأول، قال الشرع إنه يتفهم ما تعرض له المدنيون، لكنه أشار في المقابل إلى ما جرى في غزة، معتبراً أن أمن دولة ما لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن الدول والمجتمعات المحيطة بها.

وانتقد استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية داخل سوريا، وقال إن الاستقرار والعلاقات التي تحترم سيادة الدول والقانون الدولي تمثل، من وجهة نظره، طريقاً أكثر فاعلية لتحقيق الأمن.

لبنان والعراق

وفي الشأن اللبناني، قال الشرع إن سوريا تسعى إلى دعم الحكومة اللبنانية وتعزيز مؤسسات الدولة لتتمكن من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وألا تعمل أي جهة أو حزب خارج إطار القانون.

وأشار إلى أن عدم الاستقرار في لبنان ينعكس على سوريا، مؤكداً دعم دمشق لتمكين مؤسسات الدولة اللبنانية وتطبيق اتفاق الطائف ومعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين.

أما بشأن العراق، فتحدث الشرع عن وجود روابط واسعة بين البلدين وعن ضرورة أن تخضع الفصائل المسلحة لسلطة الدولة العراقية.

وكشف عن العمل على مشروع يتيح نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى الموانئ، مشيراً إلى وجود خط أنابيب تاريخي بين البلدين توقف نتيجة الخلافات السياسية التي سادت خلال العقود الماضية.

المفقودون وأوستن تايس

وتناول الحوار كذلك قضية الصحفي الأميركي أوستن تايس المفقود في سوريا، وقال الشرع إن السلطات تتابع الملف وتطلع الجانب الأميركي على المعلومات التي تصل إليها.

وأضاف أن هناك بعض المعطيات المتعلقة بالقضية لا يمكن الكشف عنها حالياً لاعتبارات أمنية واستخباراتية.

وربط الشرع ملف تايس بقضية المفقودين السوريين الأوسع، قائلاً إن نحو 250 ألف سوري ما زال مصيرهم مجهولاً، وإن السلطات شكلت هيئة خاصة للبحث عن المفقودين وتستعين بخبرات دولية في مجالات الأدلة الجنائية والتحقيق.

هل يترشح الشرع للرئاسة؟

وعند سؤاله عن إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، قال الشرع إنه لم يحسم الأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن أمامه نحو ثلاث سنوات قبل الوصول إلى تلك المرحلة.

ولم يستبعد خوض الانتخابات، موضحاً أنه قد يترشح إذا كان استمرار مهمته ضرورياً لاستكمال ما بدأ خلال المرحلة الانتقالية.

وقال إن الخيار الأنسب له شخصياً سيكون الانسحاب من موقع المسؤولية إذا وصلت سوريا إلى «بر الأمان»، لكنه أضاف أنه سيستمر إذا كانت الظروف تتطلب منه تحمل المسؤولية.

ويشارك الرئيس الشرع للمرة الثانية على التوالي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد مشاركته الأولى في الدورة الثمانين في أيلول 2025.

وكانت مشاركة العام الماضي قد جعلته أول رئيس سوري يحضر اجتماعات الجمعية العامة منذ عام 1967، فيما يشارك هذا العام في أعمال الدورة الحادية والثمانين المنعقدة في نيويورك.