أثار إعلان محافظة حلب عن حزمة أولى تضم 119 مشروعاً خدمياً وتنموياً بقيمة 9.25 مليون دولار، ضمن رؤية “سوريا بلا مخيمات”، تساؤلات بشأن الجدول الزمني الممتد حتى عام 2027، في وقت لا يزال فيه نحو 220 ألف شخص يعيشون في مخيمات حلب وريفها.
وبينما تقول المحافظة إن المشاريع تستهدف تهيئة مناطق النازحين الأصلية وتوفير الخدمات اللازمة لعودتهم، يرى ناشط مدني أن الخطة تحتاج إلى مسار موازٍ يوفر استجابة عاجلة لسكان المخيمات، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.
وقال بريتا حجي حسن، الناشط المدني والرئيس السابق لمجلس محلي، إن إطلاق المشاريع يمثل “خطوة مهمة”، لكنه اعتبر أنها جاءت متأخرة قياساً بحجم الاحتياجات المتراكمة لدى سكان المخيمات.
وأضاف في تصريح خاص لـ “سوريا بلس” أن الخطة تستند إلى مسح مجتمعي للمقيمين في المخيمات، بهدف تحديد احتياجاتهم وتهيئة الظروف اللازمة لعودتهم إلى مناطقهم الأصلية.
وتتركز المشاريع على قطاعات أساسية، من بينها التعليم والصحة ومياه الشرب والصرف الصحي، وهي خدمات ترتبط بإمكانية استقرار العائلات في مناطق العودة.
لكن حجي حسن قال إن المشكلة تكمن في الجدول الزمني للتنفيذ، إذ تمتد المشاريع خلال عامي 2026 و2027، بينما تواجه العائلات في المخيمات احتياجات أكثر إلحاحاً.
وأضاف أن سكان المخيمات يواجهون ظروفاً معيشية صعبة مع حلول فصل الشتاء من كل عام، ما كان يستدعي، بحسب رأيه، اعتماد استجابة عاجلة بالتوازي مع مشاريع تأهيل مناطق العودة.
وقال حجي حسن إن المطلوب كان العمل على “مسارين يمشيان معاً”، أحدهما للاستجابة العاجلة قبل الشتاء، والآخر لتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
وأوضح أن المسار الأول ينبغي أن يعالج الاحتياجات الآنية للعائلات داخل المخيمات، فيما يركز الثاني على إعادة تأهيل الخدمات والبنية التحتية في مناطق العودة، معتبراً في ختام حديثه أنّ واعتبر أن التركيز على المسار طويل الأجل وحده يجعل الاستجابة الحالية «غير واضحة ومتأخرة».
الحزمة الأولى
في المقابل، قال مأمون الخطيب، مدير دائرة الإعلام في محافظة حلب، إن المشاريع المعلنة تمثل الحزمة الأولى من المشاريع التنموية والخدمية المنفذة في إطار المرسوم رقم 59 ورؤية “سوريا بلا مخيمات”.
وأوضح الخطيب أن القيمة الإجمالية للحزمة تبلغ 9.25 مليون دولار، بتمويل مباشر من الحكومة السورية، على أن تنفذ المشاريع خلال عامي 2026 و2027.
وأضاف أن عدداً منها بدأ تنفيذه فعلياً، إذ تضم الحزمة 78 مشروعاً في قطاع التعليم، الذي يستحوذ على العدد الأكبر، إلى جانب 21 مشروعاً لمياه الشرب و17 للصرف الصحي، فضلاً عن مشروعين للري ومشروع صحي واحد.
أما جغرافياً، فقال الخطيب إن 60 مشروعاً ستنفذ في منطقة السفيرة، مقابل 42 مشروعاً في جبل سمعان، متوزعة على دير حافر وعين العرب وأعزاز، موضحاً أن الحزمة أعطت الأولوية للمناطق التي لم تصل إليها مشاريع مماثلة منذ التحرير وحتى الآن.
ماذا عن شرقي حلب؟
ولا تشمل الحزمة الأولى الأحياء الشرقية لمدينة حلب، ووفقاً للخطيب، فإنّ مشاريع للبنية التحتية تنفذ أساساً في تلك الأحياء، مؤكداً أنها ستكون مشمولة ضمن الحزم التالية.
وبذلك، تركز المرحلة الأولى على مناطق تقول المحافظة إنها لم تستفد من مشاريع مماثلة خلال الفترة الماضية، على أن تتوسع الخطة إلى مناطق أخرى في المراحل اللاحقة.
220 ألف شخص في مخيمات حلب
وتظهر إحصاءات رسمية حديثة حجم التحدي الذي تواجهه الخطة في حلب وريفها، إذ لا يزال نحو 56 ألف عائلة، بإجمالي يقارب 220 ألف شخص، يقيمون في نحو 391 مخيماً موزعة على مناطق مختلفة من المحافظة.
وبحسب الإحصاءات ذاتها، لا تتجاوز نسبة ما تحقق حتى الآن ضمن حملة “سوريا بلا مخيمات” في حلب نحو عشرة بالمئة، في ظل تحديات تتعلق بنقص المساكن وتضرر منازل العائلات وعدم قدرتها على تحمل تكاليف تأهيلها.
كما جرى تسيير تسع قوافل عودة في حلب حتى الآن، استفادت منها نحو 450 عائلة، وهو رقم يظل محدوداً مقارنة بأعداد الأسر التي ما تزال تقيم في المخيمات.
ويشكل تضرر المنازل أحد أبرز العوائق أمام العودة، إلى جانب نقص الخدمات الأساسية ومصادر الدخل في عدد من مناطق المنشأ.
141 ألف عائلة في سوريا
وعلى مستوى البلاد، تشير أحدث البيانات الحكومية إلى أن نحو 141 ألف عائلة لا تزال تقيم في المخيمات، فيما أُغلق أكثر من 200 مخيم حتى الآن.
وتفيد البيانات بأن نحو 20 بالمئة من سكان المخيمات عادوا إلى مناطقهم منذ تشكيل اللجنة الحكومية المكلفة بالملف.
وكانت إحصاءات رسمية سابقة أظهرت وجود 1523 مخيماً تضم نحو 400 ألف عائلة في المناطق التي شملها المسح، قبل أن تتسارع عمليات العودة وإفراغ ودمج عدد من المخيمات خلال عام 2026.
كما أظهرت بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عودة 22 ألفاً و721 عائلة إلى مناطقها منذ بداية 2026 وحتى السابع من آب.
وتستهدف الخطة الحكومية الوصول إلى حلول مستدامة لملف المخيمات بحلول أيلول 2027، بالتوازي مع إعادة تأهيل مناطق العودة ومعالجة العوائق التي تحول دون استقرار السكان فيها.
المرسوم 59
وتستند رؤية “سوريا بلا مخيمات” إلى المرسوم رقم 59 الصادر في آذار 2026، والذي شكل لجنة حكومية تتولى العمل على تهيئة البنية التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي.
ولا يقتصر المرسوم على تأهيل مناطق العودة، إذ ينص أيضاً على رفع مستوى الخدمات المقدمة للمقيمين في مناطق النزوح الداخلي وتوفير الدعم اللازم لهم للتخفيف من آثار النزوح.
وتشمل التحديات التي تواجه العودة دمار المنازل ونقص شبكات المياه والصرف الصحي والمدارس والمرافق الصحية، فضلاً عن غياب مصادر دخل مستقرة لدى بعض العائلات.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن أكثر من 40 بالمئة من سكان المخيمات يقيمون في مساكن إسمنتية يمكن تنظيمها وتحويلها إلى تجمعات سكنية، فيما تمثل نحو ثمانية بالمئة من الأسر الحالات الأكثر تعقيداً، لعدم امتلاكها منزلاً أو أرضاً يمكن العودة إليها.
وهنا يتركز انتقاد حجي حسن، الذي لا يعارض مشاريع تأهيل مناطق العودة، لكنه يرى أن امتداد تنفيذها حتى 2027 لا يلغي الحاجة إلى معالجة أوضاع العائلات التي ستبقى في المخيمات خلال الفترة الانتقالية.