البادية السورية.. حياة بين شح المراعي وغياب الخدمات

حجم الخط

في مناطق تمتد فيها المسافات بين التجمعات السكانية لعشرات الكيلومترات، لا تبدو قسوة الحياة في البادية السورية مرتبطة بالمناخ وحده. فشح المياه والمراعي وارتفاع تكاليف تربية المواشي يترافق مع نقص الخدمات الصحية والتعليمية، بينما تزيد القيود القانونية المفروضة على استثمار أراضي البادية من صعوبة اعتماد السكان على مواردهم المحلية.

يقول أمين سر مجلس القبائل والعشائر بدمشق وريفها، أبو خالد العكيدي، لـ”سوريا بلس”، إن سكان البادية يواجهون “معاناة مركبة” تتداخل فيها الظروف الطبيعية مع نقص الخدمات والقيود المفروضة على استثمار الأراضي، مشيراً إلى أن تربية المواشي ما تزال المصدر الأساسي لمعيشة نسبة كبيرة من السكان.

وخلال الأيام الماضية، عقدت إدارة أمن البادية اجتماعاً مع عدد من شيوخ العشائر في منطقة البطمة بريف دمشق، بحسب العكيدي، الذي أوضح أن اللقاء تناول واقع البادية واحتياجات سكانها، وضرورة التنسيق بين الجهات الأمنية ووجهاء المنطقة في معالجة المشكلات التي تواجه الأهالي.

ولا تتوقف الصعوبات عند توفير الخدمات، إذ ترتبط حياة سكان البادية اقتصاديا بالمراعي وتربية الأغنام، في وقت يقول العكيدي إن شح الكلأ والمياه وارتفاع أسعار الأعلاف أثقلت كاهل المربين، ودفع بعضهم إلى بيع جزء من مواشيه بأسعار لا تعكس تكاليف تربيتها، بينما يواجه آخرون خطر نفوق القطعان في حال عدم قدرتهم على تأمين العلف والمياه.

ويضيف أن نقص المياه لا يقتصر على احتياجات المواشي، بل يشمل مياه الشرب أيضا، في ظل تباعد التجمعات السكانية ومحدودية مصادر المياه المتاحة فيها.

ويشكل تنظيم استثمار أراضي البادية أحد الملفات التي يطالب السكان بإعادة النظر فيها، وتشير المراجع القانونية إلى أن التشريعات المتعلقة بالبادية تعود إلى القانون رقم 140 لعام 1970 الخاص بتنظيم استثمار أراضيها، وتعديله بالقانون رقم 13 لعام 1973، ثم القانون رقم 62 لعام 2006 الخاص بحماية أراضي البادية.

وينص الإطار القانوني على اعتبار أراضي البادية من أملاك الدولة الخاصة، كما يقيّد زراعة الأراضي غير المروية ويجعل الاستثمار الأساسي لها مرتبطاً بالرعي وتربية الحيوانات.

وفي حين تبرر الجهات المعنية هذه القيود بالحفاظ على المراعي والموارد الطبيعية ومنع التصحر، يرى سكان ومربو مواشٍ أن تطبيقها من دون توفير بدائل كافية لإنتاج الأعلاف أو دعم الثروة الحيوانية يضاعف الأعباء الاقتصادية عليهم.

وكانت التشريعات السابقة قد سمحت، ضمن شروط محددة، لسكان بعض التجمعات السكانية داخل البادية بزراعة مساحات محدودة للاستهلاك المنزلي، في محاولة للتوفيق بين حماية المراعي واحتياجات السكان.

ولا تبدو الخدمات الصحية أفضل حالاً، وفق العكيدي، إذ يقول إن عدداً من التجمعات السكانية في البادية يفتقر إلى النقاط الطبية والصيدليات والخدمات الإسعافية، ما يجبر السكان على قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي.

ويقدر العكيدي المسافة التي يضطر بعض سكان التجمعات إلى قطعها للوصول إلى نقطة طبية بنحو 70 كيلومترا، مع ما يرافق ذلك من صعوبة في التنقل ووعورة الطرق، الأمر الذي يجعل الحالات الطارئة، ولا سيما الولادات والإصابات ولدغات الأفاعي والعقارب، أكثر خطورة بالنسبة للسكان.

وفي التعليم، يقول من تحدثنا إليهم من الأهالي إن المشكلة لا تقتصر على نقص المدارس، بل تمتد إلى غياب الكادر التعليمي القادر على الوصول إلى المناطق النائية، بسبب بعد المسافات ونقص وسائل النقل والحوافز وصعوبة الظروف الأمنية.

وبحسب العكيدي فإن غياب التعليم المنتظم يحرم أطفالاً في بعض تجمعات البادية من اكتساب مهارات القراءة والكتابة، ويضع الأسر أمام خيار إرسال أطفالها إلى مناطق بعيدة للحصول على التعليم، وهو خيار لا تستطيع جميع العائلات تحمّل تكاليفه أو تأمين وسيلة نقل له.

لكن استمرار شكاوى السكان من نقص الخدمات، بحسب العكيدي، يعيد طرح سؤال العلاقة بين حماية البادية وحق سكانها في الوصول إلى مواردها والخدمات الأساسية. فالمطلوب، من وجهة نظره، ليس إلغاء حماية المراعي، وإنما إيجاد صيغ تسمح للسكان بالاستفادة من الأراضي والموارد بما يحافظ على البيئة ويدعم اقتصادهم الرعوي في الوقت نفسه.

ويرى أن معالجة واقع البادية تبدأ من توفير المياه للشرب وسقاية المواشي، ودعم الأعلاف والثروة الحيوانية، وفتح المجال أمام زراعة الأعلاف ضمن ضوابط تراعي طبيعة المنطقة، إلى جانب إنشاء نقاط طبية ثابتة أو متنقلة وتأمين سيارات إسعاف قادرة على الوصول إلى التجمعات النائية.