المؤونة المنزلية في ريف طرطوس.. مصدر دخل للأسر يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج

حجم الخط

تحولت صناعة المؤونة المنزلية في ريف طرطوس من تقليد موسمي لتخزين الأغذية إلى مصدر دخل تعتمد عليه أسر ريفية، ولا سيما النساء العاملات من المنازل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة أسعار المواد الأولية ومستلزمات التصنيع.

ورغم استمرار الإقبال على المنتجات الريفية التقليدية، يواجه العاملون في هذا القطاع ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج يتراوح بين 30 و50 في المئة، ما يدفع بعضهم إلى تعديل مكونات المنتجات أو الاعتماد على الطلبات المسبقة لتقليل الخسائر.

وتتنوع الصناعات الغذائية المنزلية في قرى المحافظة بين المكدوس ودبس الرمان والخرنوب والزيتون وزيته، إلى جانب الأجبان والألبان البلدية والشنكليش والكشكة والمربيات والمخللات والفواكه المجففة.

ويتصدر المكدوس ودبس الرمان وزيت الزيتون والزيتون المرصوص قائمة المنتجات الأكثر طلباً، بحسب إفادات محلية، في وقت تسعى فيه أسر إلى الاستفادة من المحاصيل الزراعية المتاحة لتأمين احتياجاتها الغذائية وتحقيق عائد إضافي من بيع الفائض.

إنتاج شاق وعائد محدود

في بلدة بحنين بريف طرطوس، يواصل حيان أبو إبراهيم صناعة دبس الخرنوب بالطريقة التقليدية، رغم الجهد الكبير الذي تتطلبه مراحل جمع الثمار وتجهيزها.

ويقول أبو إبراهيم لـ”سوريا بلس” إنه يقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لجمع ثمار الخرنوب من المناطق الجبلية والأحراش، قبل طحنها وطبخها لساعات للحصول على الدبس.

ويضيف أن العائد المالي من بيع المنتج لا يتناسب مع الوقت والجهد المبذولين، لكنه يفضل الاستمرار في هذه المهنة باعتبارها مصدراً للدخل في ظل محدودية فرص العمل.

وفي قرية ضهر المطر، تعتمد أم سعد، البالغة من العمر 57 عاماً، على إعداد المؤونة المنزلية لتلبية طلبات الجيران والأقارب، ولا سيما النساء الموظفات اللواتي لا يتوافر لديهن الوقت الكافي لتحضيرها.

وتقول أم سعد لـ”سوريا بلس” إن الشنكليش والكشكة والزيتون من أكثر المنتجات المطلوبة، مشيرة إلى أنها تعتمد نظام الطلب المسبق، المعروف محلياً باسم “التواصي”، لتحديد الكميات قبل البدء بالتصنيع.

وتوضح أن هذا النشاط بات يوفر لها ولأسرتها دخلاً إضافياً، ويساعدها على الاستفادة من خبرتها في إعداد المنتجات الغذائية التقليدية.

ارتفاع التكاليف يضغط على المنتجين

وتشكل أسعار المواد الأولية والتعبئة أحد أبرز التحديات أمام العاملين في صناعة المؤونة، مع ارتفاع تكاليف الزيت والثوم والجوز والمحروقات والعبوات الزجاجية والبلاستيكية.

وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، ارتفعت تكاليف الإنتاج هذا الموسم بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المئة، ما انعكس على أسعار البيع وهوامش الربح.

كما تتراوح التكلفة التقديرية لإعداد المؤونة الأساسية لأسرة مكونة من ستة أفراد بين 35 ألفاً و50 ألف ليرة سورية جديدة، وفق الكميات والأصناف، ولا سيما زيت الزيتون والمكدوس.

وأمام هذه الزيادة، يلجأ بعض المنتجين إلى تقليل كمية الجوز أو استخدام الفول السوداني في إعداد المكدوس لخفض التكلفة، بينما يفضل آخرون التصنيع بناءً على الطلبات المسبقة لتجنب تراكم المنتجات غير المباعة.

ويتيح هذا الأسلوب للمنتجين تقدير احتياجاتهم من المواد الأولية مسبقاً، وتقليل المخاطر المالية المرتبطة بتقلب الأسعار وضعف القدرة الشرائية.

دعم حكومي لوحدات التصنيع

من جانبه، قال مدير زراعة طرطوس الدكتور محمد أحمد لـ”سوريا بلس” إن المديرية تعمل على دعم مشاريع التصنيع الغذائي الريفي من خلال إعادة تفعيل وحدات التصنيع القائمة وإنشاء وحدات جديدة في المناطق التي تضم تجمعات من النساء العاملات في هذا المجال.

وأوضح أن المديرية تسعى إلى توفير المعدات اللازمة لهذه الوحدات، وتنظيم العمل الجماعي بإشراف فرق مختصة، بهدف تحسين ظروف الإنتاج ورفع كفاءة العاملين.

وأضاف أن برامج الدعم تشمل التدريب والإرشاد الفني، بما يساعد المنتجين على تطوير مهاراتهم والالتزام بالشروط الصحية خلال إعداد الأغذية وحفظها.

وفي هذا الإطار، تنظم المديرية دورات تدريبية سنوية وندوات وبيانات عملية شهرية عبر الإرشاديات الزراعية، تتناول أساليب التصنيع الغذائي والحفظ السليم وإدارة المشاريع المنزلية.

وتبرز الحاجة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى توسيع التدريب ليشمل تقنيات التعبئة والتغليف والتسويق، وتجفيف الخضراوات والفواكه بالمجففات الحرارية الحديثة، وتطبيق معايير الجودة.

منافذ تسويق وتقليل دور الوسطاء

وفي ملف التسويق، قال أحمد إن المديرية تدعم مشاركة المنتجين الريفيين في المعارض والمهرجانات المحلية، بهدف التعريف بمنتجاتهم وتوسيع فرص البيع.

وتشمل هذه المشاركات معارض منتجات المرأة الريفية في بانياس وصافيتا، ومهرجانات القدموس والشيخ بدر، إلى جانب فعاليات ومعارض على المستوى الوطني، من بينها معرض دمشق الدولي.

كما تسعى المديرية إلى إحداث صالات بيع مخصصة لمنتجات المرأة الريفية في مركز المحافظة ومناطقها، بما يتيح تسويق المنتجات مباشرة للمستهلكين دون المرور عبر الوسطاء.

ومن شأن هذه المنافذ، في حال تنفيذها، أن تساعد المنتجين على تحسين هوامش أرباحهم، مع الحد من الزيادات السعرية التي تترتب على تعدد حلقات التسويق.

مساهمة في دخل الأسرة

ولا تقتصر أهمية المؤونة المنزلية على تأمين الغذاء خلال العام، إذ بات بيع المنتجات المصنعة يشكل نشاطاً اقتصادياً للأسر الريفية، وخصوصاً تلك التي تعتمد على عمل النساء من المنزل.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن مشاريع المؤونة قد توفر ما بين 40 و60 في المئة من دخل بعض الأسر العاملة في هذا المجال، وقد تكون مصدر الدخل الأساسي لعائلات تعيلها نساء.

غير أن هذه النسب تبقى تقديرات غير مدعومة ببيانات إحصائية منشورة، وقد تختلف بصورة كبيرة تبعاً لحجم الإنتاج والمبيعات وتكاليف المواد الأولية.

وفي المقابل، يواجه توسع هذه المشاريع تحديات تتعلق بارتفاع التكاليف ومحدودية منافذ التسويق والحاجة إلى معدات حديثة وتحسين أساليب التعبئة والتغليف.

ويرى العاملون في القطاع أن تطوير هذه الجوانب قد يتيح فرصاً أوسع لتسويق المنتجات خارج المحافظة، وربما الوصول إلى أسواق خارجية مستقبلاً، شريطة الالتزام بمتطلبات الجودة والسلامة الغذائية.

وبين الحفاظ على تقاليد التصنيع المنزلي والسعي إلى تحقيق دخل مستقر، تواصل أسر ريف طرطوس الاعتماد على المؤونة بوصفها وسيلة لتأمين احتياجاتها الغذائية ومواجهة الضغوط الاقتصادية، فيما يرتبط نمو هذا النشاط بقدرة المنتجين على خفض التكاليف وتوسيع منافذ البيع.