كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية لـ”سوريا بلس” عن إحالة مسودتي تعديل قانوني العمل والتأمينات الاجتماعية إلى الأمانة العامة للجمهورية، تمهيداً لعرضهما على مجلس الشعب، دون تحديد موعد لإحالتهما.
وتشمل التعديلات المقترحة توسيع نطاق قانون العمل ليشمل أنماطاً جديدة من التشغيل، وزيادة إجازات الأمومة وتنظيم إجازة الأبوة، إلى جانب تعديل آليات احتساب المعاشات التقاعدية، واقتراح إنشاء صندوق للتأمين ضد التعطل عن العمل.
وقالت معاونة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، الدكتورة رغداء زيدان، في تصريحات خاصة لـ”سوريا بلس”، إن المسودتين أُحيلتا إلى الأمانة العامة للجمهورية، التي ستتولى إحالتهما إلى البرلمان للمناقشة والإقرار، وفق الخطة التي يضعها المجلس، مشيرة إلى أنها لا تملك موعداً محدداً لذلك.
وفي المقابل، أكد عضو في مجلس الشعب، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ”سوريا بلس”، أن المجلس لم يتلقَّ حتى الآن مشروع تعديل قانون العمل.
وتأتي هذه الخطوة وسط مطالبات نقابية بتحسين الأجور وتوسيع الحماية الاجتماعية، وبالتزامن مع ترحيب مشرعين أميركيين بجهود تحديث التشريعات العمالية السورية.
توسيع نطاق قانون العمل وتنظيم التطوع
وقالت زيدان إن مشروع التعديل يقترح توسيع نطاق القانون ليشمل العاملين في أنماط العمل الجديدة، مع مراعاة طبيعة هذه الأعمال وتنظيمها بقرار وزاري، بالتنسيق مع الجهات المعنية وممثلي العمال وأصحاب العمل.
وأضافت أن المقترحات تشمل إخضاع العاملين لدى المنظمات الشعبية لأحكام القانون.
وفي ما يتعلق بالعمل التطوعي، أوضحت أن المسودة تمنح وزير الشؤون الاجتماعية والعمل صلاحية تنظيمه بقرار لاحق، بهدف نشر ثقافة التطوع وتعزيزها، وتحديد الأحكام التي تضمن بيئة وظروفاً ملائمة للمتطوعين.
تنظيم التشغيل والتحول الرقمي
وفي ملف التشغيل، أوضحت زيدان أن التعديلات تشمل إعادة صياغة المواد المتعلقة بالتشغيل في القطاع الخاص، وعمل مكاتب التشغيل ومراكز تمكين الشباب، بما يتوافق مع سياسة الحكومة للتوظيف في القطاعين العام والخاص.
وأضافت أن الهدف يتمثل في تسريع تفعيل منصة سوق العمل، وتطوير آليات عمل مكاتب التشغيل العامة ومراكز تمكين الشباب، بما يضمن تقديم خدماتها بجودة أعلى وفي وقت أقصر.
كما تتضمن المقترحات مراعاة التحول الرقمي والتكنولوجيا الحديثة في معظم مواد القانون، ومن بينها اعتماد الوسائل الإلكترونية لإبلاغ العمال.
ضمانات قانونية وتدريب مهني
وفي ما يتعلق بحقوق العاملين، قالت زيدان إن المسودة تُبقي على الأحكام المرتبطة باتفاقيات العمل الدولية التي صادقت عليها سوريا، ولا سيما حظر التمييز بين العمال على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الجنسية.
وتشمل هذه الضمانات أيضاً الأحكام المتعلقة بتشغيل النساء والأحداث والأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديد ساعات العمل والإجازات والراحة الأسبوعية والعمل الإضافي.
وفي السياق نفسه، تقترح الوزارة تعديل النصوص المنظمة للتدريب لتعزيز التدريب المهني لدى أصحاب العمل، إلى جانب تشكيل لجنة وطنية للتدريب المهني.
ثلاثة أيام للأبوة و100 يوم للأمومة
وفي ما يتعلق بحقوق الأسرة، كشفت زيدان عن مقترح لمنح العامل الذي يُرزق بمولود إجازة أبوة مدتها ثلاثة أيام عمل متصلة، تبدأ من تاريخ الولادة.
وأوضحت أن العامل يستفيد من هذه الإجازة ثلاث مرات فقط لدى صاحب العمل الواحد.
كما تشمل التعديلات توحيد إجازة الأمومة لتصبح 100 يوم عن كل ولادة، في إطار تعزيز الاقتصاد الرعائي ضمن أحكام القانون.
وفي ملف تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، تقترح المسودة رفع النسبة الإلزامية لتوظيفهم من 2% إلى 4% لدى أصحاب العمل الذين يستخدمون 50 عاملاً فأكثر.
كذلك تتضمن المقترحات تشكيل لجنة وطنية للقضاء على عمل الأطفال في بيئة العمل.
قرارات تنفيذية وحوار اجتماعي
وفي شأن تطبيق التعديلات، قالت زيدان إن الوزارة تسعى إلى ربط النصوص القانونية بقرارات إجرائية تضمن تنفيذها بصورة فعالة.
وأضافت أن إعداد مشاريع هذه القرارات سيراعي الحوار الاجتماعي والنهج التشاركي الذي اعتمدته الوزارة، بمشاركة الجهات المعنية.
مطالب نقابية برفع الأجور وتثبيت العقود
وفي موازاة إعداد التعديلات، طالب الاتحاد العام لنقابات العمال بمراجعة الأجور والحوافز بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوسيع التغطية التأمينية وتعزيز الاستقرار الوظيفي.
وكان رئيس الاتحاد فواز الأحمد قد دعا إلى تثبيت العقود وتحسين ظروف العمل، وضمان الحقوق التأمينية للعاملين، وتعزيز معايير الصحة والسلامة المهنية.
كما شملت المطالب النقابية تعزيز دور التنظيم النقابي في الدفاع عن حقوق العمال، وتوسيع الحماية الاجتماعية لمختلف فئات العاملين.
وتأتي هذه المطالب في ظل تراجع القوة الشرائية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.
الحد الأدنى للأجور خارج نص القانون
وفي ما يتعلق بالحد الأدنى للأجور، قالت زيدان لـ”سوريا بلس”: “الحد الأدنى للأجور يتم تحديد بقرار وزاري، ولا يحدده القانون”.
وينظم قانون العمل النافذ آليات تحديد الحد الأدنى للأجور ومراجعته، بمشاركة ممثلين عن العمال وأصحاب العمل.
غير أن زيدان لم توضح ما إذا كانت التعديلات ستتضمن آلية ملزمة لمراجعة الحد الأدنى للأجور دورياً، أو ربط الزيادات بمعدلات التضخم.
إنذارات قبل الغرامات وعقوبات للمخالفات الجسيمة
وفي إطار تعزيز الالتزام بالقانون، قالت زيدان إن التعديلات تسعى إلى تحقيق توازن بين ردع أصحاب العمل المخالفين، ومنحهم فرصة لمعالجة المخالفات الخفيفة والمتوسطة.
وأوضحت أن المسودة تقترح إلزام الجهات المختصة بتوجيه تنبيه خطي أو إنذار كتابي قبل فرض الغرامة على هذه المخالفات.
وأضافت أن غاية الوزارة هي تعزيز العمل اللائق وضمان حصول العمال على حقوقهم، وليس جباية الأموال.
وفي المقابل، أكدت أن المقترحات تتضمن غرامات رادعة تتناسب مع جسامة المخالفات، ولا سيما المخالفات المتعلقة بتشغيل الأحداث والسلامة والصحة المهنية.
وتشمل العقوبات أيضاً عدم تسجيل العامل في التأمينات الاجتماعية أو عدم تحرير عقد عمل له، مع مضاعفة الغرامات في حال إصرار أصحاب العمل على تكرار المخالفات.
وفي سياق متصل، تقترح الوزارة إطلاق حملات توعوية لمدة ستة أشهر اعتباراً من تاريخ نفاذ التعديل.
كما تشمل الإجراءات تبسيط المعاملات وتسريع تقديم الخدمات للعمال وأصحاب العمل، مع تحسين جودتها.
تعديلات على قانون التأمينات الاجتماعية
وفي ما يتعلق بمشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية، قالت زيدان إن المسودة تتضمن استحداث مجموعة من التعاريف لمواكبة التطورات التي شهدتها البلاد.
وأضافت أن المشروع يحافظ على الأحكام المرتبطة باتفاقيات العمل الدولية المصادق عليها، ولا سيما عدم التمييز بين العمال على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الجنسية.
ثلاث سنوات لاحتساب مستحقات العجز والوفاة
وفي ملف المستحقات التأمينية، أوضحت زيدان أن التعديلات تقترح تغيير فترة احتساب المعاش في حالات العجز الكامل أو الوفاة.
وبموجب المقترح، يُعتمد متوسط الأجر الشهري المشترك عنه خلال السنوات الثلاث السابقة لثبوت العجز أو الوفاة، بدلاً من متوسط السنة الأخيرة.
كما تقترح المسودة اعتماد متوسط الأجر خلال ثلاث سنوات لاحتساب المستحقات التأمينية الناجمة عن إصابات العمل.
وفي ما يتعلق بالنزاعات الطبية، تتضمن التعديلات إعادة صياغة الأحكام الخاصة باللجان الطبية المختصة بالتحكيم عند وقوع نزاع بشأن الإصابة، مع تحديد مدد الاعتراض.
خمس سنوات لاحتساب معاش التقاعد
وفي ملف التقاعد، قالت زيدان إن مشروع التعديل يتضمن توحيد شروط استحقاق معاش الشيخوخة بين النساء والرجال.
كما تقترح المسودة احتساب معاش التقاعد وفق متوسط الأجر خلال السنوات الخمس الأخيرة، بدلاً من السنة الأخيرة المعتمدة حالياً.
وأكدت أن التعديل المقترح يتضمن الحفاظ على حقوق المؤمن عليهم المشتركين قبل نفاذ القانون الجديد.
صندوق للتأمين ضد التعطل عن العمل
ومن أبرز المقترحات الواردة في مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية استحداث صندوق للتأمين ضد التعطل عن العمل.
ولم تحدد زيدان مصادر تمويل الصندوق أو شروط الاستفادة منه، فيما لا يزال المقترح مرتبطاً بإقرار التعديلات التشريعية.
كما تشمل المسودة تعديل بعض الغرامات بما يحقق التوازن والردع في الوقت نفسه.
وفي تقييمها للأثر المتوقع، قالت زيدان إن التعديلات، في حال إقرارها، ستكون لها آثار إيجابية على العمال وأصحاب العمل والمتقاعدين، من خلال توفير بيئة عمل لائقة تحفظ حقوق العاملين وتساعد على تحسين أوضاع أصحاب العمل.
ترحيب أميركي بالإصلاحات
وفي موازاة هذه التحركات، رحبت السيناتورتان الأميركيتان جين شاهين وجوني إرنست والنائب جو ويلسون بجهود وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بقيادة الوزيرة هند قبوات، لتحديث تشريعات العمل.
وقال المشرعون، في بيان مشترك، إن القانون الأميركي يتيح لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية دعم مشاريع في الدول التي تتخذ خطوات لضمان حقوق العمال المعترف بها دولياً وتنفيذها.
وأعربوا عن تطلعهم إلى خطط المؤسسة لدعم مشاريع في سوريا، وإلى إحراز تقدم في المسار التشريعي لتحديث قانون العمل.
غير أن البيان لم يتضمن إعلاناً عن تمويل محدد أو الموافقة على مشاريع استثمارية جديدة.
المسودتان بانتظار البرلمان
ورغم إحالة المسودتين إلى الأمانة العامة للجمهورية، لم يتحدد بعد موعد وصولهما إلى مجلس الشعب أو بدء مناقشتهما.
ويبقى دخول التعديلات حيز التنفيذ مرهوناً باستكمال الإجراءات التشريعية وإقرار النصوص النهائية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال تفاصيل تنظيم أنماط العمل الجديدة، وآليات التأمين ضد التعطل، ومراجعة الحد الأدنى للأجور، بانتظار مزيد من التوضيح من الجهات المعنية.