تواجه مشاريع إعادة إعمار حيّي جوبر والقابون في دمشق صعوبة في التوصل إلى صيغة تحظى بقبول المالكين والجهات المعنية، وسط خلافات حول نسب الشراكة مع المستثمرين، وتكاليف البنية التحتية، وآليات تنفيذ المشاريع. وفي حين يطالب ممثلو الأهالي بإعادة النظر في العروض المطروحة، تتجه محافظة دمشق إلى دراسة خيارات استثمارية أخرى، من دون إعلان التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن.
وفي بيان مشترك صدر في 12 تشرين الأول 2026، رفض مجلسا أمناء جوبر والقابون المقترح الحالي لإعادة الإعمار، معتبرين أنه لا يلبي الحد الأدنى من تطلعات الأهالي، ولا سيما فيما يتعلق بحصص الاستثمار والكثافة السكانية والحفاظ على النسيج الاجتماعي.
ودعا المجلسان إلى وقف المقترح والبحث في بدائل تضمن إعادة إعمار عادلة ومستدامة، مشيرين إلى أن عدم إتاحة المخططات والمقترحات المكتوبة بوضوح، وعدم تحديد حقوق الأطراف والتزاماتها بصورة كافية، أسهما في اتساع الخلافات وانتشار الشائعات.
جوبر.. خلاف على توزيع الحصص
تتركز أبرز الخلافات في جوبر حول النسبة التي سيحصل عليها المالكـون مقابل حصة المستثمر، في ظل تباين المواقف بشأن قيمة الملكيات العقارية وآلية توزيع العوائد ضمن المشروع.
وبحسب بيان مجلس أمناء جوبر الصادر في 7 أيلول 2026، قدمت لجنة الارتباط المنبثقة عن المجلس مقترحات عدة إلى محافظة دمشق، شملت الاستفادة من المخطط التنظيمي رقم 94 المعدل والمحدث، إلى جانب مخطط لعام 2025 قالت اللجنة إنه ينسجم مع رؤية المحافظة وتطلعات السكان، لكن المقترحين لم يُعتمدا.
وأشار المجلس إلى أن تحديد الكثافة السكانية عند 600 نسمة لكل هكتار كان أحد أسباب عدم اعتماد مخطط عام 2025، قبل الانتقال إلى مناقشة عرض استثماري لإعادة إعمار الحي بالكامل.
ووفق البيان، تضمن العرض الذي طُرح في آذار 2026 تخصيص 26% من المشروع للمالكين مقابل 74% للمستثمر، مع كثافة سكانية تبلغ 800 نسمة لكل هكتار وعامل استثمار قدره 2.25.
وبعد دراسة العرض بالاستعانة بمهندسين وحقوقيين ومتعهّدين، طالب المجلس بألا تقل حصة المالكين عن 50%، استناداً إلى القيمة العقارية للمنطقة.
لكن المحافظة أبلغت لجنة الارتباط، بحسب البيان، بأن حصة المستثمر غير قابلة للتعديل، وأن زيادة حصة المالكين يمكن أن تتحقق من خلال مساهمة المحافظة بأملاك عامة ضمن المشروع. ووصلت النسبة المطروحة للمالكين إلى 35% خلال اجتماع عُقد في أيار الماضي، إلا أن المجلس اعتبرها غير كافية، مشيراً إلى أنها لم تحظَ بقبول عدد من أبناء الحي ومالكيه.
ويضع هذا التباين نسب الشراكة في صلب الخلاف، إذ يطالب المالكـون بحصة أعلى، بينما تتمحور المقترحات المطروحة حول صيغة استثمارية لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأنها.
تكاليف المشروع تزيد تعقيد الخلاف
إلى جانب توزيع الحصص، يثير نطاق المشروع وتكاليف تنفيذه اعتراضات إضافية لدى مجلس أمناء جوبر، خصوصاً ما يتعلق بالمنشآت العامة والبنية التحتية.
وفي بيان صدر في 11 أيلول 2026، اعترض المجلس على تحميل المشروع تكاليف المنشآت العامة، وإدراج أعباء البنية التحتية للمناطق المنظمة سابقاً ضمنه، فضلاً عن توسيع نطاقه بما يزيد متطلباته الرأسمالية ويحد، بحسب تقديره، من فرص مشاركة مستثمرين آخرين.
ويطالب المجلس بإعادة النظر في توزيع الأعباء المالية وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالتنفيذ، بما يتيح تقييم الجدوى الاقتصادية للعروض بصورة أوضح، ويحد من تحميل المشروع تكاليف إضافية قد تؤثر في فرص تنفيذه.
كما يشدد على ضرورة إتاحة المخططات والتفاصيل التنفيذية والتعاقدية أمام المالكين قبل اتخاذ قرار نهائي، حتى تكون الالتزامات المترتبة على المشروع واضحة لجميع الأطراف.
القابون يقترح فصل المشروعين
في القابون، يتجاوز النقاش مسألة نسب الشراكة ليشمل طريقة تنظيم عملية إعادة الإعمار واختيار الجهات التي ستتولى تنفيذها.
وفي 14 أيلول 2026، دعا مجلس أمناء الحي إلى تجزئة مشروع إعادة الإعمار بين جوبر والقابون، بما يتيح مشاركة عدد أكبر من شركات التطوير العقاري ويخفف الأعباء عن محافظة دمشق.
ويقوم هذا المقترح على إتاحة المجال أمام عروض متعددة بدلاً من جمع الحيّين ضمن مشروع استثماري واحد، بما قد يوسع خيارات التنفيذ، وفق رؤية المجلس.
كما طالب المجلس بأن تتضمن أي عروض جديدة تحديد نسب الشراكة وحقوق الأطراف، وقيمة حصة كل مالك وموقعها وآلية تخصيصها، إلى جانب وضع مدة زمنية ملزمة للتنفيذ، وضمانات قانونية وشروط جزائية في حال التأخير أو الإخلال بالالتزامات.
وشملت المطالب أيضاً توفير بدل سكن خلال مراحل المشروع، والتحقق من الملاءة المالية للجهة المطورة، وحماية النسيج الاجتماعي والذاكرة المكانية للحي.
وتعكس هذه الشروط اهتمام المالكين ليس فقط بنسبة الحصة التي سيحصلون عليها، وإنما أيضاً بضمانات تنفيذ المشروع، والقدرة المالية للجهة المطورة، والآليات التي تكفل حصولهم على حقوقهم المتفق عليها.
عروض جديدة على طاولة المحافظة
بالتوازي مع الخلافات القائمة، تواصل محافظة دمشق دراسة خيارات أخرى لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
وبحسب صحيفة «الاقتصادية»، بحثت المحافظة، خلال اجتماع عُقد في 3 تشرين الأول 2026، عروضاً قدمها أهالي جوبر والقابون بشأن شركات تطوير عقاري يمكن أن تتولى تنفيذ المشاريع.
وأفادت الصحيفة بأن المحافظة أوضحت أن بعض الشركات التي اقترحها أهالي القابون لم تستوفِ الشروط المطلوبة في تلك المرحلة، ما حال دون اعتماد عروضها، مع توقع الإعلان عن عروض أخرى وإطلاع الأهالي عليها ضمن مسار دراسة الخيارات المتاحة.
ويشير ذلك إلى استمرار البحث عن جهات مطورة بديلة، لكنه لا يعني حسم الخلاف بشأن شروط الاستثمار أو التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بموافقة الأطراف المعنية.
وفي بيانهما المشترك الصادر في 12 تشرين الأول، أكد مجلسا أمناء جوبر والقابون استعدادهما لمواصلة التعاون مع المحافظة للوصول إلى حلول عملية، مع التشديد على تعزيز الشفافية وإشراك ممثلي المجتمع المحلي في القرارات المتعلقة بمستقبل الحيّين.
وبين الخلاف على نسب الشراكة وتكاليف التنفيذ، والبحث عن شركات وعروض بديلة، لا يزال التحدي يتمثل في التوصل إلى نموذج يجمع بين متطلبات الاستثمار وحماية حقوق المالكين. ويبقى نجاح أي مسار جديد مرتبطاً بوضوح الالتزامات والضمانات، وقدرته على توفير صيغة قابلة للتنفيذ تمهّد لإعادة إعمار الحيّين وتهيئة الظروف لعودة سكانهما.