بعد مرور أربعة أيام على إعلان وزارة الطاقة، في 13 تشرين الأول/أكتوبر، عزمها تعويض أصحاب السيارات المتضررة من دفعة البنزين المخالفة للمواصفات، لم تُعلن بعد آليات تنفيذية تحدد شروط الاستحقاق أو مواعيد الصرف، كما لم يصدر إعلان عن تشكيل لجان مختصة بحصر الأضرار وتقييمها.
ويثير غياب التفاصيل تساؤلات لدى أصحاب السيارات الذين تحملوا تكاليف إصلاح مركباتهم، وسط مخاوف من أن يتحول التعهد بالتعويض إلى مجرد وعد يتراجع الاهتمام به مع انحسار الجدل حول الأزمة، دون معالجة الخسائر التي تكبدها المتضررون.
وقال عدد من أصحاب السيارات، في شهادات لـ”سوريا بلس”، إن تكاليف الإصلاح وصلت في بعض الحالات إلى ما بين 200 و250 دولاراً، فيما واجه آخرون صعوبات في إثبات ارتباط الأعطال بالبنزين، خصوصاً بعد إصلاح مركباتهم دون الحصول على فواتير رسمية.
وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن المشكلة لا تتعلق بالقدرة المالية وحدها، وإنما بوجود نظام إداري قادر على حصر المتضررين وتقييم الخسائر وصرف التعويضات بعدالة، مقترحاً آلية تستند إلى سجلات توزيع الوقود والقرائن الفنية، دون اشتراط الفواتير في جميع الحالات.
أربعة أيام من الانتظار.. أين آلية التعويض؟
كانت وزارة الطاقة قد أعلنت انتهاء تحقيق فني في مشكلة البنزين، خلص، وفق ما أورده الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم استناداً إلى بيان الوزارة، إلى دخول شحنة مخالفة للمواصفات إلى مستودعات الشركة السورية للبترول، قبل اختلاطها بوقود مطابق نتيجة خطأ تشغيلي أثناء نقلها عبر شبكة الأنابيب.
وأحالت الوزارة إعداد آلية التعويض إلى الشركة السورية للبترول، على أن يجري تنفيذ التعويضات على مراحل، دون تحديد المبالغ المخصصة أو موعد بدء الصرف.
لكن الإعلان لم يوضح كيفية تقديم الطلبات، أو المستندات المطلوبة، أو الجهة المكلفة بتقييم الأضرار، ولا ما إذا كانت التعويضات ستشمل تكاليف الإصلاح وحدها أم خسائر توقف السيارات عن العمل.
كما لم تتضح آلية التعامل مع المركبات التي أُصلحت قبل الإعلان، أو السيارات غير المسجلة بأسماء مستخدميها.
وتطرح هذه الثغرات تساؤلات بشأن المدة اللازمة للانتقال من التعهد إلى التنفيذ، والضمانات التي تحول دون استبعاد المتضررين بسبب غياب الوثائق.
سيارات حديثة تتضرر وأصحابها يطالبون بالمحاسبة
قال أحد أصحاب السيارات المتضررة لـ “سوريا بلس” إنه عبأ مركبته بالبنزين من محطة وقود رسمية اعتاد التزود منها، قبل أن تبدأ أعطال غير مألوفة بالظهور، شملت صعوبة تشغيل المحرك وصدور أصوات غريبة منه.
وأضاف أن الأضرار لم تقتصر على السيارات القديمة، مشيراً إلى تعرض سيارات حديثة من طراز 2026، لم تقطع سوى خمسة آلاف كيلومتر، لأعطال قال إنها ناجمة عن الوقود.
وأوضح أن بعض المتضررين لم يفرغوا خزانات سياراتهم من البنزين حتى الآن، فيما يستخدم آخرون سيارات غير مسجلة بأسمائهم، ما قد يعقّد إجراءات التعويض إذا اشترطت الجهات المعنية إثبات الملكية أو تقديم وثائق شراء الوقود.
وطالب بتشكيل لجان متخصصة للتحقيق في أسباب المشكلة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتسببين بها، إلى جانب ضمان عدم تكرارها.
فواتير مفقودة.. كيف يثبت المواطن الضرر؟
تعد مسألة إثبات الأضرار إحدى أبرز العقبات المحتملة أمام تنفيذ التعويضات، خصوصاً أن بعض أصحاب السيارات أصلحوا مركباتهم لدى ورش لا تصدر فواتير رسمية، فيما لم يحتفظ آخرون بالقطع المستبدلة أو بعينات من الوقود.
وقال أحد المتضررين لـ “سوريا بلس” إن قرار التعويض جاء متأخراً، معتبراً أن الإجراء الأنسب كان تشكيل لجان فنية للكشف على السيارات المتعطلة قبل إصلاحها، وتحديد الأعطال وتكاليف معالجتها بالتنسيق مع ورش معتمدة.
وأضاف أن اعتماد فواتير الإصلاح المختومة من مراكز معترف بها قد يوفر وسيلة لإثبات الخسائر، لكنه تساءل عن البدائل المتاحة لمن لا يمتلكون هذه الوثائق.
بدوره، تساءل متضرر آخر عن كيفية إثبات أن الأعطال التي أصابت بخاخات سيارته وأجزاء من المحرك ناجمة عن البنزين، بعدما أجرى الإصلاحات دون الحصول على مستندات رسمية.
وقال إن المشكلة لا تتعلق بتكاليف الإصلاح وحدها، وإنما بإثبات الضرر أمام الجهات المعنية، معرباً عن تشككه في إمكانية الحصول على التعويض.
خسائر تصل إلى مئات الدولارات
تحدث أصحاب سيارات عن تكاليف إصلاح مرتفعة مقارنة بدخولهم، إذ قدر أحدهم تكلفة إصلاح السيارة بما يتراوح بين 200 و250 دولاراً، بينما عرض آخر فاتورة بقيمة مليون و50 ألف ليرة سورية، قال إنها تتعلق بالأعطال التي أصابت مركبته.
وأشار متضرر آخر إلى أنه دفع نحو 50 دولاراً لإصلاح آلية صغيرة، متسائلاً عن حجم الخسائر التي تكبدها أصحاب السيارات الحديثة والأعلى تكلفة.
كما قال أحد السائقين لـ “سوريا بلس” إنه أمضى ثلاثة أيام في إصلاح سيارته على نفقته الخاصة، معرباً عن تشككه في تنفيذ التعويضات.
ولا تقتصر الخسائر على قطع الغيار وأجور الصيانة، بل تشمل أيضاً توقف المركبات عن العمل، خصوصاً بالنسبة إلى السائقين الذين يعتمدون عليها في تأمين دخلهم اليومي.
خبير اقتصادي: المال قد يتوفر لكن الإدارة هي الاختبار
يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن وزارة الطاقة تملك على الأرجح الموارد اللازمة لتنفيذ تعويضات محدودة النطاق، لكنه يميز بين القدرة المالية والقدرة الإدارية على تنفيذها.
وقال لـ”سوريا بلس” إن توفر السيولة لا يعني بالضرورة امتلاك نظام قادر على تحديد المستحقين وحجم خسائرهم ومواعيد الصرف، دون تأخير أو محاباة أو تلاعب.
وأوضح أن غياب إحصاء رسمي لعدد السيارات المتضررة يجعل تقدير الكلفة الإجمالية صعباً، رغم أن حالات فردية أظهرت تكاليف إصلاح تراوحت بين 150 و164 دولاراً.
وحذر من ثلاثة مخاطر رئيسية، أولها تحول تنفيذ التعويضات على مراحل إلى تأجيل طويل تتراجع معه قيمتها بفعل التضخم، وثانيها عدم وضوح العملة المعتمدة في احتساب الخسائر، وثالثها احتمال تقديم مطالبات مكررة أو مبالغ فيها.
واعتبر أن نجاح التعويضات يتطلب تحديد المستحقين وربط كل طلب ببيانات المركبة، مع اعتماد وسائل دفع قابلة للتتبع، مثل التحويلات المصرفية أو المحافظ الإلكترونية.
كيف يُعوّض من لا يملك فاتورة؟
يقترح عبد الكريم عدم اشتراط الفواتير الرسمية في جميع الحالات، واعتماد ثلاث قرائن فنية تساعد في إثبات العلاقة بين الوقود والأعطال.
وتتمثل القرينة الأولى في تعبئة الوقود من محطة وصلتها الشحنة المخالفة خلال الفترة المحددة، والثانية في وجود عينة من البنزين المتبقي في الخزان أو المرشح يمكن تحليلها مخبرياً، والثالثة في ظهور نمط عطل يتطابق مع الأضرار التي رصدها الفنيون.
ويرى أن اجتماع قرينتين من الثلاث يمكن أن يكون كافياً لقبول طلب التعويض، تجنباً لاستبعاد من أصلحوا سياراتهم قبل صدور القرار.
أما حصر المتضررين، فيقترح البدء بسجلات الشركة السورية للبترول لتحديد الصهاريج التي نقلت الوقود المخالف، والمحطات التي استلمته، وتواريخ التوزيع، بما يسمح برسم خريطة جغرافية وزمنية للمناطق المحتمل تضررها.
وبعد ذلك، يمكن فتح باب تسجيل المطالبات إلكترونياً، وربط كل طلب برقم لوحة المركبة ورقم هيكلها، للحد من تكرار التعويض.
كما يدعو إلى إسناد تقييم الأضرار لجهات فنية مستقلة عن الطرف المسؤول عن المشكلة، مثل هيئة المواصفات والمقاييس أو مخابر كليات الهندسة الحكومية، بإشراف نقابة المهندسين.
وشدد على ضرورة اعتماد جدول موحد لأسعار قطع الغيار وأجور الإصلاح، لمنع المبالغة في تقدير الخسائر.
تعويض مالي أم قسائم وقود؟
تباينت مطالب أصحاب السيارات بشأن شكل التعويض، إذ دعا بعضهم إلى تغطية تكاليف الإصلاح الفعلية، فيما اقترح آخرون تقديم قسائم وقود مدعومة.
وقال أحد المتضررين إنه لا يتوقع تعويض جميع أصحاب السيارات مالياً، مقترحاً إعادة العمل بنظام قسائم الوقود التي تغطي جزءاً من احتياجات السائقين بأسعار مخفضة.
في المقابل، طالب آخرون بتغطية أجور فك المحركات وإصلاحها وتكاليف القطع المستبدلة، مع إعطاء الأولوية لأصحاب الدخل المحدود والعاملين الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين معيشتهم.
كما دعا أحد المتضررين إلى تشكيل لجان فنية ذات مصداقية، محذراً من احتمال تحميل البنزين مسؤولية أعطال سابقة لا علاقة لها بالدفعة المخالفة.
صندوق مستقل للتعويضات دون رفع أسعار البنزين
يقترح عبد الكريم إنشاء حساب مستقل للتعويضات يُموّل من نسبة مؤقتة من إيرادات مبيعات الشركة السورية للبترول، دون تحميل المستهلكين أعباء إضافية من خلال رفع أسعار الوقود.
وأوضح أن رفع سعر الليتر لتمويل التعويضات يعني عملياً تحميل المتضررين أنفسهم جزءاً من كلفتها.
كما دعا إلى استرداد المبالغ المدفوعة من الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن توريد الشحنة المخالفة أو الأخطاء التشغيلية، عبر الإجراءات القانونية.
وفي ما يتعلق بالصرف، يقترح تحديد مبالغ تعويض وفق فئات الأعطال، بحيث تخصص فئة لأضرار مضخات الوقود، وأخرى للبخاخات، وثالثة للأعطال الشاملة، مع إعطاء الأولوية للمطالبات الصغيرة.
ويرى أن تدقيق عينة من المطالبات بصورة معمقة، بدلاً من إخضاع جميع السيارات لإجراءات طويلة، قد يسرع التنفيذ، شريطة وجود عقوبات على التزوير ورقابة مالية مستقلة.
وشدد على ضرورة إعفاء المتضررين من رسوم تقديم الطلبات والفحوص الفنية، وإتاحة وسائل إثبات بديلة عند غياب الفواتير.
تجارب دولية لتسوية آلاف المطالبات
واستشهد عبد الكريم بتجربة لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التي أُنشئت عقب غزو العراق للكويت، وتلقت نحو 2.7 مليون مطالبة، واعتمدت تصنيفها إلى فئات لتسهيل معالجتها.
وأوضح أن اللجنة استخدمت مبالغ ثابتة لبعض أنواع المطالبات، إلى جانب مطابقة البيانات والعينات الإحصائية، بدلاً من إجراء تقييم تفصيلي لكل حالة.
كما أشار إلى تجربة مصر عام 2025 في استقبال شكاوى متعلقة بالوقود إلكترونياً، وإلى التجربة البريطانية في قبول مستندات مصرفية بديلاً عن إيصالات الشراء في بعض مطالبات التعويض عن الوقود الملوث.
ويرى أن الاستفادة من هذه التجارب يمكن أن تساعد في وضع آلية سورية مبسطة تراعي محدودية الموارد والقدرات الإدارية، دون أن يتحول حصر الأضرار إلى سبب لتأخير التعويضات.
التعويضات واختبار الثقة
مع استمرار انتظار الآلية الرسمية، يطالب أصحاب السيارات بإجراءات واضحة تحدد شروط الاستحقاق والوثائق المطلوبة ومواعيد الصرف، وتضمن حق الاعتراض على قرارات التقييم.
كما تبرز تساؤلات بشأن مصير السيارات غير المسجلة بأسماء مستخدميها، وإمكانية تعويض خسائر توقف المركبات عن العمل، فضلاً عن تكاليف الإصلاح المباشرة.
ويعتبر عبد الكريم أن الملف يتجاوز قيمته المالية إلى مسألة ثقة المستهلك بالمؤسسات والوقود الموزع عبر القنوات الرسمية.
وقال إن “التعويض هنا ليس عبئاً على الموازنة بقدر ما هو اختبار للثقة”، محذراً من أن الفشل في إدارة الملف قد يدفع المستهلكين إلى فقدان الثقة بالوقود الرسمي واللجوء إلى السوق السوداء.
وبعد أربعة أيام على إعلان التعويضات، يبقى السؤال الموجه إلى وزارة الطاقة: متى ستُعلن آلية التنفيذ وتُشكّل لجان تقييم الأضرار، وما الضمانات التي تحول دون أن يصبح التعويض مجرد وعد طواه انحسار الاهتمام بالأزمة؟