من صيدا الحانوت إلى جباتا الخشب، ومن طرنجة إلى حوض اليرموك، ترصد “سوريا بلس” أثر التجريف وإغلاق الطرق والقصف على مزارعين ورعاة يعتمدون على الأرض والمواشي مورداً رئيسياً للدخل.
في صيدا الحانوت، جنوب القنيطرة، لا ترتبط خسارة المزارع بموسم قطاف واحد. فحين تُجرف الأرض وتُقتلع أشجار الزيتون، تضيع معها سنوات من العمل والرعاية.
وبحسب معلومات ميدانية حصلت عليها “سوريا بلس”، جرى تجريف نحو 13 دونماً من الأراضي الزراعية في القرية واقتلاع قرابة 300 شجرة زيتون مثمرة.
وفي منطقة الحيوة القريبة، يتحدث المزارع محمد الشنوار، المعروف بأبي عمار، عن بستان يضم أشجار زيتون يصل عمر بعضها إلى نحو عشرين عاماً. ويقول إن محصول الزيتون كان يساعده في تأمين احتياجات أسرته وتغطية تكاليف الزراعة، قبل أن تتضرر أرضه وأشجاره. “لم يبقَ منها سوى الحطب”، وفق تعبيره.
وتتكرر الصورة في جباتا الخشب، شمالي القنيطرة، حيث يقول رئيس البلدية زياد أبو أدهم إن التوغلات وإغلاق الطرق الزراعية أخّرا وصول المزارعين إلى حقولهم، وحالا دون تمكن بعضهم من جني محاصيل التفاح والزيتون.
ويقدّر أبو أدهم المساحات المتضررة بنحو 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، و4 آلاف دونم من الأراضي الرعوية، و6 آلاف دونم تضم أشجاراً مثمرة وأراضي مزروعة بالقمح والشعير ومحاصيل أخرى. ولا توضح هذه التقديرات ما إذا كانت المساحات متداخلة، لذلك لا يمكن جمعها في حصيلة واحدة.
من الحقول إلى المراعي
لا تنفصل الزراعة عن تربية المواشي في هذه القرى. فالمراعي التي يعتمد عليها مربو الأغنام والماعز تقلصت، بينما بات الوصول إليها مرتبطاً بالطرق المفتوحة والتحركات العسكرية في المنطقة.
يروي أبو أدهم أن أحد المربين كان يملك نحو 500 رأس من الأغنام، قبل أن ينخفض العدد إلى أقل من 100 رأس. ويضيف أن الأضرار شملت الطرق الزراعية وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، إلى جانب الأشجار الحراجية والمثمرة.
وسجلت المناطق الرعوية حوادث قصف ألحقت خسائر بالمواشي. ففي السادس من نيسان، أدى قصف مدفعي قرب الصمدانية الغربية بريف القنيطرة إلى نفوق ستة رؤوس من الماعز وإصابة راعٍ بجروح طفيفة، بحسب معلومات ميدانية. وفي 22 أيلول، أدى قصف في حوض اليرموك بريف درعا الغربي إلى نفوق 15 رأساً من الماعز، وفق مصادر محلية.
طرق وحواجز ومداهمات
إلى جانب الأرض والمراعي، بات الطريق إليها جزءاً من المشكلة. يقول مختار عوفانيا، أبو هاني بكر، إن المزارعين والرعاة يتحركون وسط مخاوف من التفتيش والاحتجاز، مشيراً إلى مداهمات لمنازل في المنطقة، بينها منزل أبو خضر الحمادي، وإلى إصابة شاب يدعى درويش بإطلاق نار خلال الأسبوع الذي سبق حديثه لـ”سوريا بلس”.
وامتدت التحركات الإسرائيلية إلى قرى طرنجة وحضر والحرية والحميدية وكودنة والعشة في ريف القنيطرة، وفق معلومات محلية.
في طرنجة، توغلت دورية مؤلفة من سبع آليات عسكرية وأقامت حاجزاً على الطريق الواصل مع حضر، فيما انتشر جنود في محيط منازل الأهالي، وتحدثت المعلومات عن مداهمات واحتجاز الشاب بكر القاسم، قبل الإفراج عنه لاحقاً.
وفي قرية الحرية، قالت مصادر محلية إن دورية تضم ست آليات ونحو 25 عنصراً نفذت عمليات تفتيش في منازل قبل انسحابها باتجاه قاعدة في محيط الحميدية.
كما تحدثت المعلومات عن تفجير منزل مهجور شمال شرقي الحميدية، وإقامة حواجز مؤقتة على طريق طرنجة – مزارع الأمل.
وفي 21 تشرين الأول، أُغلق الطريق الرئيسي بين حضر وطرنجة عند منطقة الصوانة بسواتر ترابية وصخرية وأسلاك شائكة، بالتزامن مع أعمال تجريف في محيط تلة الحمرية. وتؤثر هذه الإجراءات في التنقل بين القرى، والوصول إلى المدارس والمراكز الصحية والأسواق، ونقل المحاصيل من الحقول.
من القنيطرة إلى ريف درعا الغربي
في ريف درعا الغربي، سجلت القرى القريبة من حوض اليرموك عمليات توغل وقصف واحتجازات. ففي 20 أيلول، استهدفت قذائف مدفعية أطراف قرية الرفيد، بالتزامن مع معلومات عن تفتيش واحتجاز مدنيين.
كما وردت معلومات عن احتجاز راعي أغنام في 23 أيلول أثناء وجوده في أرضه.
وفي قرية جملة، قالت مصادر محلية إن قوة إسرائيلية مؤلفة من 12 عربة عسكرية توغلت ليلاً إلى الحي الشرقي، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع ومداهمة عدد من المنازل.
وأضافت المصادر أن العملية أسفرت عن مقتل الشاب معاذ سلامة البعير، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي حادثة منفصلة، استهدفت القوات الإسرائيلية أطراف قرية عابدين بقذيفتي مدفعية، من دون تسجيل إصابات، بحسب المعلومات المتاحة.
وهو ما دفع السوريين للتضامن والاحتجاج على ممارسات الاحتلال، إذا شهدت مختلف المحافظات السورية مظاهرات مناوئة للاحتلال الاسرائيلي ومنددة بممارساته.
ويطالب رئيس بلدية جباتا الخشب بدعم المزارعين بمستلزمات الإنتاج، ومساعدة مربي المواشي، وإصلاح الطرق وشبكات الخدمات المتضررة.
وتندرج هذه الوقائع ضمن نطاق انتشار إسرائيلي أوسع في جنوب سوريا، فبحسب تقدير بحثي نشره مركز “كرم شعار” في كانون الثاني 2026، سيطرت القوات الإسرائيلية منذ كانون الأول 2024 على نحو 350 كيلومتراً مربعاً، تمتد من سفوح جبل الشيخ شمالاً إلى أجزاء من حوض اليرموك في ريف درعا الغربي جنوباً.
Israel’s buffer zone in Syria: Incursions, Bases, and Impact
ويشمل التقدير المنطقة الفاصلة المنصوص عليها في اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلى جانب مناطق تقدمت إليها القوات خارجها في ريفي القنيطرة ودرعا، من دون أن يشمل بالضرورة نطاق جميع الدوريات والتحركات المؤقتة.
