الصحة النفسية في سوريا.. هل ننتبه قبل فوات الأوان؟

الصحة النفسية
حجم الخط

أعادت جريمة مقتل طفل على يد والده في بلدة أوتايا بمنطقة دوما في الغوطة الشرقية بريف دمشق، تسليط الضوء على أهمية الرعاية النفسية وضرورة عدم إهمال علاج الاضطرابات النفسية، ولا سيما الحالات التي تحتاج إلى متابعة طبية مستمرة.

وبينما أثارت الحادثة تساؤلات حول الحالة الصحية للأب والظروف التي سبقت وقوعها، أعادت أيضاً طرح مشكلة أوسع تتعلق بنظرة المجتمع إلى المرض النفسي، وتأخر طلب العلاج، ومحدودية الوعي بدور الأسرة في متابعة المرضى، والحاجة إلى توسيع خدمات الصحة النفسية في سوريا.

وبحسب معلومات حصلت عليها “سوريا بلس” من مصدر مقرب من العائلة، فإن الأب يعاني من اضطراب الفصام، وكان يتلقى علاجاً دوائياً في المنزل، مشيراً إلى أنه لم يكن مدركاً لما فعله وقت وقوع الحادثة. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من التشخيص الطبي أو تحديد ما إذا كانت الحالة النفسية مرتبطة بالجريمة، في انتظار ما تكشفه التحقيقات والتقييمات الطبية المختصة.

وتعيد هذه الحادثة طرح تساؤلات حول كيفية التعامل مع الحالات النفسية التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، ومدى إدراك الأسر للمخاطر المحتملة عند إهمال العلاج أو انقطاع المتابعة الطبية، خصوصاً في الحالات الشديدة التي قد تتأثر فيها قدرة المريض على إدراك حالته أو الحكم على تصرفاته.

العلاج والمتابعة

لا تقتصر أهمية الرعاية النفسية على تخفيف الأعراض أو مساعدة المريض على استعادة توازنه، بل تشمل أيضاً متابعة تطور حالته، وتقييم استجابته للعلاج، والتدخل عند ظهور مؤشرات تستدعي رعاية أكثر تخصصاً. وتختلف طرق العلاج بحسب طبيعة الاضطراب وشدته، إذ قد تستجيب بعض الحالات للجلسات النفسية والتدخلات الاجتماعية، فيما تحتاج حالات أخرى إلى أدوية ومتابعة طبية منتظمة، وقد تستدعي الحالات الشديدة الإقامة في المستشفى.

الطبيب النفسي محمد العلي يوضح لسوريا بلس أن الاضطرابات النفسية تتفاوت في شدتها، فهناك حالات بسيطة يمكن التعامل معها من خلال الجلسات والتدخلات النفسية والاجتماعية دون الحاجة إلى العلاج الدوائي، وحالات متوسطة تحتاج إلى الجمع بين الأدوية والعلاج النفسي، في حين تتطلب بعض الاضطرابات الشديدة تدخلاً طبياً متخصصاً، ولا سيما عندما تترافق مع هيجان نفسي حركي أو صعوبة في ضبط السلوك.

ويشير العلي إلى أن بعض المرضى خلال النوبات الحادة قد يفقدون الاستبصار بحالتهم، فلا يدركون أنهم يعانون اضطراباً نفسياً أو أنهم بحاجة إلى العلاج، الأمر الذي يجعل متابعة الأسرة أمراً مهماً، من خلال مساعدتهم على الالتزام بالخطة العلاجية والتواصل المستمر مع الطبيب.

ويلفت إلى أن بعض الحالات قد تستدعي نقل المريض إلى المستشفى، خصوصاً عندما تصبح الرعاية المنزلية غير كافية أو يتعذر على الأسرة التعامل مع الحالة بأمان. كما يوضح أن بعض الاضطرابات قد تترافق مع هلوسات سمعية ذات طابع آمر، تتضمن توجيهات بإيذاء النفس أو الآخرين، وهي مؤشرات تستدعي تقييماً طبياً عاجلاً، ويمكن التعامل معها وفق بروتوكولات علاجية يحددها الطبيب المختص.

ويؤكد العلي أن دور الأسرة لا يقتصر على توفير الدواء، بل يشمل متابعة المواعيد الطبية، ومراقبة تطور الأعراض، وإبلاغ الطبيب بأي تغيرات تطرأ على سلوك المريض أو استجابته للعلاج، مشدداً على ضرورة طلب المساعدة الطبية العاجلة عند ظهور مؤشرات خطر، وعدم التعامل مع الحالات الحادة بوسائل منزلية أو اجتهادات غير طبية.

مراكز متخصصة.. ونقص في الاختصاصيين

وعلى مستوى الخدمات المتاحة في سوريا، ما تزال الحاجة إلى توسيع الرعاية النفسية قائمة، في ظل النقص في الأطباء النفسيين المتخصصين واتساع الاحتياجات الناجمة عن سنوات الحرب والضغوط المعيشية والاجتماعية.

ويذكر الطبيب محمد العلي أن الخدمات المتخصصة تتوفر في عدد من المنشآت، بينها مستشفى ابن رشد في دمشق، ومستشفى ابن خلدون في حلب، ومستشفى سرمدا للأمراض النفسية في إدلب، إلى جانب مراكز علاجية أنشأتها بعض الوزارات، ومنها الداخلية والدفاع، للتعامل مع حالات الاضطرابات النفسية والإدمان.

كما يشير إلى وجود خدمات للصحة النفسية ضمن عدد من مراكز الرعاية الصحية الأولية، من خلال أطباء عامين تلقوا تدريبات في هذا المجال، في إطار برامج نفذتها جهات حكومية ومنظمات محلية، بهدف تمكينهم من التعامل مع بعض الاضطرابات النفسية وتقديم الرعاية الأولية وإحالة الحالات التي تحتاج إلى اختصاصيين.

وتتوافق هذه المعطيات مع بيانات أعلنتها وزارة الصحة في تشرين الأول الجاري، إذ أفادت بأن نحو 764 مركزاً للرعاية الصحية الأولية في سوريا تقدم خدمات الصحة النفسية، إلى جانب ثلاثة مشافٍ توفر الإقامة والمتابعة للحالات الشديدة، هي ابن خلدون في حلب وابن سينا وابن رشد في دمشق، مع العمل على تجهيز أربعة مشافٍ إضافية لتقديم هذه الخدمات.

وتشمل الخدمات، وفق الوزارة، المعاينة والعلاج في العيادات الخارجية، والدعم النفسي الفردي والتوعية والتثقيف، إضافة إلى متابعة الحالات الشديدة بإشراف أطباء نفسيين وأطباء عامين مدربين على برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية.

ورغم وجود هذه الخدمات، يبقى توسيع نطاقها وتحسين إمكانية الوصول إليها من أبرز التحديات، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى الاختصاصيين أو المراكز القادرة على استقبال الحالات التي تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد، فضلاً عن الأعباء المادية والوصمة الاجتماعية التي قد تدفع بعض الأسر إلى تأجيل طلب المساعدة.

ما وراء العلاج.. معاناة نفسية واجتماعية

ولا تنفصل مشكلات الصحة النفسية في المجتمع السوري عن الظروف التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية، من فقد ونزوح واعتقال وتهجير وانكسارات اجتماعية واقتصادية، وهي عوامل تركت آثاراً نفسية متفاوتة، لا يمكن التعامل معها جميعاً باعتبارها اضطرابات طبية تستدعي الأدوية.

ويرى المختص والمشرف النفسي براء الجمعة أن التعامل مع الصحة النفسية لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الطبي والاضطرابات التي تحتاج إلى علاج دوائي أو استشفاء، بل يجب أن يشمل المقاربة النفسية الاجتماعية لسياق المعاناة الإنسانية.

ويشير الجمعة إلى أن جانباً كبيراً من معاناة السوريين يرتبط بتجارب القهر وفقدان الكرامة والخيبات والفقد والانكسار، وهي تجارب تحتاج إلى مساحات للدعم والتعبير والحوار، إلى جانب التدخلات النفسية والاجتماعية المناسبة، موضحاً أن ليس كل من يمر بمعاناة نفسية يعاني بالضرورة اضطراباً يتطلب علاجاً دوائياً.

ويحذر من اختزال المرض النفسي في صورة الشخص العنيف أو المجرم، مؤكداً أن المرضى النفسيين ليسوا جميعاً مصدر خطر، وأن الربط التلقائي بين الاضطرابات النفسية والجريمة يفاقم الوصمة الاجتماعية ويدفع المرضى وأسرهم إلى إخفاء معاناتهم بدلاً من طلب المساعدة.

ويضيف أن بعض الاضطرابات النفسية الحادة قد تؤثر في إدراك المريض واستبصاره بحالته، ما يجعل التدخل الطبي والمتابعة أمراً ضرورياً، لافتاً إلى أن إهمال العلاج لا تنعكس آثاره على المريض وحده، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه، لتشمل أعباء اجتماعية ونفسية واقتصادية.

ويربط الجمعة تأخر وصول بعض المرضى إلى العلاج بضعف الوعي والوصمة الاجتماعية، وعدم تقبل بعض الأسر لفكرة المرض النفسي، ما يدفعها أحياناً إلى اللجوء إلى تدخلات شعبية بدلاً من مراجعة الطبيب المختص، الأمر الذي قد يؤخر التشخيص والعلاج المناسبين.

من التوعية إلى استراتيجية وطنية

وفيما يتعلق بالحلول، يرى الجمعة أن التعامل مع تحديات الصحة النفسية لا يمكن أن يقوم على إجراء واحد أو حل سريع، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية، وتعمل على تعزيز الوعي المجتمعي وتسهيل الوصول إلى الخدمات.

ويدعو إلى توسيع الحوارات المجتمعية والندوات وشبكات الدعم، وإشراك المؤسسات الدينية والخطباء والمساجد في نشر الوعي والتشجيع على طلب المساعدة المتخصصة، إلى جانب دور الإعلام والمدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني.

ويشدد على ضرورة تعاون وزارات الصحة والإعلام والتربية والأوقاف، إلى جانب المؤسسات والمنظمات المحلية، لوضع استراتيجية وطنية واضحة تتضمن خططاً للتوعية والوقاية والكشف المبكر، وتوفير مراكز وعيادات نفسية في مختلف المناطق، مع ضمان وصول المرضى إلى العلاج والمتابعة دون أن تشكل التكلفة المادية عائقاً أمامهم.

وتبقى الرعاية النفسية مسؤولية تتجاوز حدود العيادة والمنزل، إذ يتطلب تحسين واقعها توفير خدمات متخصصة ومتاحة، ومساندة الأسر التي تتعامل مع حالات تحتاج إلى متابعة مستمرة، وكسر الحواجز الاجتماعية التي تحول دون طلب العلاج.

فالتعامل المبكر مع المعاناة النفسية، والالتزام بالتشخيص والمتابعة الطبية، وتوفير الدعم للمريض وأسرته، خطوات أساسية للحد من تفاقم الحالات، وحماية حق المرضى في الرعاية والعيش بكرامة، بعيداً عن الوصمة أو الإهمال.