شمال سوريا.. مخيمات تُغلق وعائلات لا تجد طريقاً إلى الاستقرار

حجم الخط

منذ نحو تسع سنوات ونصف، يعيش صادق حمدو مع أسرته في مخيم الجبل قرب مدينة جرابلس شمالي سوريا،  وهو أب لاثني عشر طفلاً، يعمل ممرضاً في مشفى جرابلس، وينحدر من قرية الطيبة التي تعرضت للدمار خلال الحرب.

غادرت عائلات كثيرة المخيم عائدة إلى مناطقها الأصلية، لكن حمدو لا يزال فيه، شأنه شأن أسر أخرى لا تملك منزلاً صالحاً للسكن أو المال اللازم لإعادة البناء.

كان المخيم يضم أكثر من 2200 عائلة، وفق روايته، ولم يبقَ فيه اليوم سوى نحو 300 عائلة، معظمها يقيم في الخيام والمساكن الطينية.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه قوافل العودة وإغلاق المخيمات في شمال سوريا، لا تزال عائلات تواجه خياراً صعباً بين البقاء في مخيمات تفتقر إلى الخدمات والعودة إلى مناطق دمرت الحرب جانباً كبيراً من منازلها وبنيتها التحتية.

ساعة مياه كل يومين
في مخيم الجبل، لا تصل المياه إلى السكان بصورة منتظمة، يقول حمدو، المعروف بأبي غازي، لـ”سوريا بلس”، إن المياه تصل إلى قطاعات المخيم مرة كل يومين تقريباً، ولمدة ساعة واحدة.

ولتشغيل محطة المياه، تجمع العائلات المال لشراء المازوت، وتتحمل تكاليف الصيانة عند حدوث الأعطال.

تعتبر هذه النفقات عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل، ولا سيما الأرامل والعائلات التي فقدت معيلها، في ظل محدودية المساعدات الغذائية وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية.

ورغم هذه الظروف، لا تستطيع عائلات كثيرة المغادرة، فبعضها فقد منزله خلال الحرب، وبعضها الآخر لا يملك المال لإصلاح ما تبقى منه.

ويقول أبو غازي إن العودة إلى قرية لا تتوافر فيها المياه أو الخدمات أو فرص العمل قد تضع أسرته أمام ظروف أصعب من الحياة في المخيم.

ثلاثة مخيمات أُغلقت ومئات العائلات تنتظر
في جرابلس، أُغلقت مخيمات “البنيان 1″ و”الكوش” و”عطاء عين العبيد”، وفق معلومات ميدانية حصلت عليها “سوريا بلس”.

وقال رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل في جرابلس، الدكتور حمد حمادي، لـ”سوريا بلس”، إن الدائرة أشرفت على تسيير ست قوافل للعودة الطوعية، نقلت 462 عائلة تضم 2367 شخصاً، وأسفرت عن إغلاق ثلاثة مخيمات بعد إخلائها وتفكيك بنيتها التحتية.

وأوضح حمادي أن حصر أعداد العائلات المقيمة في مخيمات المنطقة يواجه صعوبات، مشيراً إلى أن مخيم الجبل وحده يضم نحو 300 عائلة، تشكل الخيام والمساكن الطينية قرابة 90 بالمئة من مساكنه.

وقدّر عدد العائلات التي لا تزال تعيش في الخيام بنحو 500 إلى 600 عائلة موزعة على عدد من المخيمات، فيما تقيم عائلات أخرى في تجمعات سكنية إسمنتية.

وأشار إلى أن مخيمات الكوسة تضم غرفاً ومساكن إسمنتية أرضية، بينما تتألف مساكن مخيمات عين العبيب من شقق أرضية تحيط بها ساحات، في حين لا تزال عائلات في مخيم الزلاوي ومخيمات أخرى تعيش في الخيام والمساكن الطينية.

وتعطي خطة العودة الأولوية للمخيمات القماشية، على أن تشمل المراحل التالية التجمعات السكنية البديلة والإسمنتية.

وأوضح حمادي أن العائلات الراغبة في العودة تسجل أسماءها لدى الدائرة، التي تنسق مع المفوضية والجهات الشريكة لتأمين النقل والمساعدات اللازمة.

وأشار إلى أن العائدين يواجهون تحديات تشمل دمار المنازل ونقص المياه والكهرباء، والحاجة إلى تأهيل المدارس والمراكز الصحية، فضلاً عن محدودية فرص العمل.

منزل لعائلة أنهكها المرض
في قرية الطيبة جنوب مدينة الباب، قرب المحطة الحرارية، يعيش عبد الإله النايف، البالغ من العمر 75 عاماً، مع أفراد من أسرته في منزل ساعد متبرعون على بنائه.

لكن المنزل لم ينهِ معاناتهم، إذ يعاني النايف أمراضاً مرتبطة بتقدم العمر، ويقول لـ”سوريا بلس” إنه يضطر إلى جمع مواد من القمامة لتأمين بعض احتياجات الأسرة، إلى جانب ما يتلقاه من مساعدات.

زوجته فقدت إحدى قدميها أسفل الركبة بسبب مضاعفات مرض السكري، وابنته خضعت لعمليات جراحية عدة انتهت ببتر إحدى قدميها أيضاً.

ويعيش معهما أحفاد النايف، أبناء اثنين من أولاده قُتلا خلال الحرب، إضافة إلى زوجة أحدهما الأرملة.

في المنزل الذي بُني بمساعدة المتبرعين، وجدت العائلة مأوى، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الحصول على المياه والعلاج.

 

ويقول النايف إن القرية تعاني شحاً في المياه، وإن الحصول على بعض الخدمات الطبية يتطلب الانتقال إلى الباب أو السفيرة أو حلب، لمسافات قد تصل إلى عشرين كيلومتراً أو أكثر.

وبالنسبة إلى أسرة تضم مسناً مريضاً وامرأتين فقدتا إحدى قدميهما، تشكل تكاليف النقل والعلاج عبئاً إضافياً على دخل محدود.

قوافل العودة تتواصل
في 25 تشرين الأول، غادرت 108 عائلات مخيمي الرسم القديم والرسم الجديد في منطقة منبج بريف حلب، متجهة إلى مناطقها الأصلية في محافظتي حلب وإدلب، قبل الإعلان عن إغلاق المخيمين.

وفي اليوم نفسه، انطلقت قافلة من مخيمات ريف إدلب إلى عدد من المحافظات السورية. وذكرت وكالة “سانا” أنها ضمت 220 عائلة، فيما أورد الدفاع المدني السوري حصيلة بلغت نحو 233 عائلة.

واستمرت عمليات العودة خلال الأيام التالية، مع الإعلان عن إغلاق مخيمات إضافية في جرابلس، ومغادرة 229 عائلة من مخيمات ريف إدلب في 29 تشرين الأول.
وتأتي هذه التحركات ضمن خطة حكومية تستهدف إنهاء الاعتماد على المخيمات بحلول أيلول 2027.

141 ألف أسرة لا تزال في المخيمات
في أيلول 2026، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن نحو 141 ألف أسرة لا تزال تقيم في المخيمات السورية، رغم إغلاق أكثر من 200 مخيم وعودة نحو 20 بالمئة من سكانها منذ تشكيل اللجنة المعنية.

وتعمل الحكومة على تنفيذ رؤية “سوريا بلا مخيمات”، في إطار خطة لتأهيل المناطق المتضررة وإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

وأشار الصالح إلى أن نحو 8 بالمئة من الأسر المقيمة في المخيمات لا تملك منزلاً أو أرضاً، وأن الحلول المطروحة لها تشمل فرص العمل ومساعدات الانتقال والإيجار المؤقت.

وفي ريف إدلب، لا تزال نحو ألف عائلة تقيم في مخيم المدينة المنورة، من أصل 1700 عائلة كانت تعيش فيه سابقاً، وفق معلومات نشرتها وكالة “سانا” في 26 تشرين الأول.

ويمنع دمار المنازل وارتفاع تكاليف ترميمها كثيراً من هذه الأسر من العودة.

وتراجع عدد المخيمات في إدلب من 1145 إلى 631 مخيماً، بحسب تصريحات رسمية، مع استمرار العمل على تأمين احتياجات العائلات المتبقية ودعم الترميم والخدمات.

العودة التي لم تكتمل
في مخيم الجبل، ما يزال أبو غازي يعيش مع أسرته بعد نحو عقد من النزوح،  غادرت عائلات كثيرة المخيم، لكن منزله في قرية الطيبة لم يصبح بعد مكاناً يستطيع العودة إليه.
وفي القرية نفسها، حصل عبد الإله النايف على منزل بفضل المتبرعين، لكنه لا يزال يواجه المرض والفقر وصعوبة تأمين المياه والعلاج.

وبين أسرة تنتظر منزلاً وأخرى وجدت منزلاً من دون أن تجد فيه مقومات حياة مستقرة، تستمر قوافل العودة وإغلاق المخيمات في شمال سوريا، أما بالنسبة إلى العائلات التي بقيت، فلا يزال السؤال الأول هو نفسه: أين ستعيش عندما تغادر المخيم؟!