رمان طرطوس.. إنتاج يرتفع وأشجار مهددة بالاقتلاع!

حجم الخط

رغم ارتفاع تقديرات إنتاج الرمان في محافظة طرطوس إلى نحو 6486 طناً خلال الموسم الحالي، مقارنة بـ5858 طناً العام الماضي، يواجه مزارعو المحصول في منطقتي صافيتا والدريكيش تحديات اقتصادية متزايدة، دفعت بعضهم إلى الاستغناء عن أشجار الرمان واستبدالها بأصناف أخرى أكثر ربحية، وسط ارتفاع تكاليف الري والأسمدة والعمالة، وتراجع العائدات مقارنة بأسعار البيع في الأسواق الخارجية.

وبحسب  شهادات عدد من المزارعين لـ”سوريا بلس” عن اتساع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار التسويق، إذ لا يتجاوز سعر الكيلوغرام الذي يحصل عليه المزارع نحو 20 سنتاً، بينما يُباع في الأسواق العراقية بأسعار تتراوح بين دولارين وثلاثة دولارات، وفق إفاداتهم، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل زراعة الرمان في المحافظة وقدرتها على الاستمرار.

ارتفاع الإنتاج والمساحات المزروعة
مدير زراعة طرطوس، الدكتور محمد عدنان أحمد، قال لـ”سوريا بلس”، إن التقديرات الأولية لإنتاج الرمان خلال الموسم الحالي تبلغ نحو 6486 طناً، مقابل 5858 طناً في الموسم الماضي، بزيادة تقارب 11%.

وأوضح أن المساحات المروية المزروعة بالرمان ارتفعت من نحو 158 هكتاراً إلى 183 هكتاراً، بزيادة تقارب 16%، وتتركز بصورة رئيسية في منطقتي صافيتا والدريكيش.

وأشار أحمد إلى أن أبرز الأصناف المطلوبة في الأسواق المحلية والتجارية تشمل “اللّفان” و”الحلو” و”البلدي”، نظراً لجودتها وخصائصها الإنتاجية.

وفيما يتعلق بالتحديات الزراعية، لفت إلى أن القوارض، ولا سيما فئران الحقول، تُعد من أبرز الآفات التي تهدد الأشجار، مؤكداً أن الوحدات الإرشادية تقدم الدعم الفني والإرشادات اللازمة للمزارعين، إلى جانب توزيع المبيدات المخصصة للمكافحة.

أما بشأن دعم الصناعات التحويلية المرتبطة بالرمان، مثل الدبس والعصير والخل، فأوضح أن المديرية تسهم في الترويج لهذه المنتجات عبر تنظيم معارض لمنتجات المرأة الريفية.

تكاليف مرتفعة تدفع المزارعين إلى البدائل
في المقابل، لا تعكس زيادة الإنتاج تحسناً مماثلاً في العائدات التي يحصل عليها المزارعون، إذ قال المزارع أسامة أبو جاد (48 عاماً)، الذي يمتلك مزرعة في منطقة صافيتا، لـ”سوريا بلس”، إن التقلبات المناخية أثرت سلباً في إنتاج الموسم الماضي، رغم وفرة الإزهار في بدايته، موضحاً أن التفاوت بين ارتفاع درجات الحرارة نهاراً وحدوث الصقيع ليلاً تسبب بأضرار في الأزهار وانعكس على المحصول.

وأضاف أن ارتفاع أجور العمالة وتكاليف الأسمدة والري جعل الاستمرار في زراعة الرمان أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن بعض المزارعين اضطروا إلى تقليص كميات الأسمدة المستخدمة لتخفيف النفقات.

وأوضح أبو جاد أن المشكلة لم تعد تقتصر على تراجع هامش الربح، بل وصلت إلى حد عدم قدرة عائدات المحصول على تغطية تكاليف السقاية في بعض الحالات.

وكشف عن اتجاه عدد من المزارعين إلى الاستغناء عن أشجار الرمان واستبدالها بزراعة صنف من الحمضيات يُعرف محلياً باسم “سانتريزا”، نظراً إلى ارتفاع عائداته وإمكانية تصديره.

وبحسب أبو جاد، يتراوح سعر الكيلوغرام من هذا الصنف في السوق المحلية بين 1.5 ودولارين، ما يجعله خياراً اقتصادياً أكثر جاذبية مقارنة بالرمان.

توقف مخصصات المازوت يفاقم أزمة الري
ولا تقتصر التحديات على ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، إذ يشكل تأمين المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات الري عبئاً إضافياً على المزارعين.

المزارع ماهر علي، من منطقة صافيتا، قال لـ”سوريا بلس”، إن ارتفاع أسعار المازوت وصعوبة تأمينه يمثلان أحد أبرز العوائق أمام استمرار زراعة الرمان.

وأوضح أن المزارعين كانوا يحصلون سابقاً على مخصصات من المازوت تتراوح بين 500 وألف ليتر، بحسب مساحة الأراضي الزراعية، قبل أن يتوقف توزيع هذه المخصصات خلال الفترة الأخيرة.

وأشار إلى أن توقف الدعم زاد الأعباء المالية على أصحاب البساتين، ولا سيما في ظل حاجة الأشجار إلى الري المنتظم، ما دفع بعض المزارعين إلى تقليص عمليات السقاية أو تحمل نفقات إضافية لتأمين الوقود.

ويضع هذا الواقع المزارعين أمام خيارات صعبة، تتراوح بين الاستمرار في تحمل التكاليف المتزايدة أو التحول إلى محاصيل أخرى تحقق عائدات أعلى.

من 20 سنتاً إلى 3 دولارات.. أين تذهب أرباح الرمان؟
إلى جانب تكاليف الإنتاج، تبرز أزمة التسويق بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مزارعي الرمان في طرطوس، خصوصاً مع اعتماد قسم من الإنتاج على التصدير إلى الأسواق العراقية.

وبحسب إفادات مزارعين لـ”سوريا بلس”، يُباع كيلوغرام الرمان من أرض المزارع بنحو 20 سنتاً، في حين يصل سعره في الأسواق العراقية إلى ما بين دولارين وثلاثة دولارات.
وتعكس هذه الأرقام، وفق المزارعين، فجوة كبيرة بين السعر الذي يحصل عليه المنتج والسعر النهائي للمستهلك، وسط شكاوى من استحواذ الوسطاء والتجار على الحصة الأكبر من العائدات.

غير أن هذه الفجوة تشمل أيضاً تكاليف النقل والفرز والتوضيب والتصدير وهوامش البيع، ما يستدعي تحديد حصة كل مرحلة من سلسلة التسويق لمعرفة الأسباب الفعلية لاتساع الفارق السعري.

ويرى المزارعون أن تحسين آليات التسويق وتوفير منافذ بيع أكثر عدالة يمكن أن يساهما في تخفيف خسائرهم، خصوصاً بالنسبة إلى صنف “اللّفان” الذي تشتهر به منطقة صافيتا.

الصناعات التحويلية.. فرصة لمواجهة تراجع العائدات؟
في ظل هذه التحديات، تبرز الصناعات التحويلية المرتبطة بالرمان بوصفها أحد المسارات المحتملة لتحسين القيمة الاقتصادية للمحصول، من خلال تصنيع الدبس والعصائر والخل، بدلاً من الاعتماد على بيع الثمار الطازجة فقط.

لكن الدعم الذي تحدثت عنه مديرية الزراعة يتركز حالياً على الترويج لمنتجات المرأة الريفية عبر المعارض، في حين لم تتضح من التصريحات إجراءات تتعلق بإنشاء منشآت تصنيع أو توفير تمويل مباشر للمزارعين والمنتجين.

وقد يتيح تطوير هذه الصناعات فرصاً إضافية لتصريف المحصول، ولا سيما الثمار التي لا تستوفي شروط التسويق الطازج، شريطة توفير مستلزمات التصنيع وقنوات تسويق قادرة على تحقيق عائد اقتصادي مجزٍ.

مستقبل الرمان بين زيادة الإنتاج وتراجع الجدوى
تكشف المفارقة بين ارتفاع المساحات المزروعة بالرمان واتجاه بعض المزارعين إلى استبدال أشجاره عن تحديات تتجاوز حجم الإنتاج، وترتبط أساساً بجدوى الزراعة وقدرتها على تأمين دخل يغطي النفقات.

فبينما تشير التقديرات الرسمية إلى نمو الإنتاج في طرطوس، تعكس شهادات المزارعين ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والعمالة، إلى جانب ضعف أسعار الشراء من المنتجين.

ومع استمرار هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى معالجة تكاليف الري وتحسين آليات التسويق وتطوير الصناعات التحويلية، بما يتيح الحفاظ على الأصناف المحلية ويحد من تحول المزارعين إلى محاصيل بديلة.

ويبقى السؤال: هل تنجح زيادة الإنتاج في الحفاظ على زراعة الرمان في طرطوس، أم تدفع التكاليف المرتفعة والأسعار المتدنية مزيداً من المزارعين إلى اقتلاع أشجارهم بحثاً عن محاصيل أكثر ربحية؟