كانون الثاني شهر المعارك بين “داعش” وفصائل المعارضة.. أين هو التنظيم الآن؟

تحل في هذه الأيام ذكرى المعارك العنيفة بين فصائل المعارضة السورية وتنظيم “داعش”، والتي تم توثيقها في كانون الثاني/يناير من العام 2014.

والبداية كانت من يوم 4 كانون الثاني/يناير، حينما أعلنت مجموعة من فصائل الجيش الحر في محافظة حلب، الحرب على تنظيم “داعش”، بعد اتهام التنظيم بالضلوع في تنفيذ اعتداءات على الفصائل وإعدام قادة فصائل وعشرات النشطاء الميدانيين والإعلاميين.

وعقب ذلك، اندلعت المواجهات العنيفة في مناطق متفرقة من مدينة حلب وريفها، امتدت إلى ريف إدلب ومنها إلى الرقة والحسكة ودير الزور.

وفي 5 كانون الثاني/يناير، طالب “داعش” بهدنة فورية مع فصائل المعارضة، عقب الخسائر التي تكبدها وفقدانه السيطرة على مدينة “الأتارب” بريف حلب، ومقتل عدد كبير من عناصره.

ويوم 8 كانون الثاني/يناير، أعلنت فصائل المعارضة سيطرتها على المقر الرئيسي لتنظيم “داعش” في مدينة حلب، إلا أن تنظيم “داعش” أعلن في 13 كانون الثاني/يناير، السيطرة على مدينة الباب بريف حلب، بعد أيام من سيطرة فصائل الجيش الحر عليها.

وفي 15 كانون الثاني/ يناير، أعلن “داعش” سيطرته الكاملة على مدينة الرقة، بعد أن تراجع في حلب التي فقد فيها العديد من معاقله الهامة.

وأسفرت الاشتباكات الواسعة في مناطق سيطرة المعارضة السورية بين تنظيم “داعش” وفصائل المعارضة السورية، عن إخراج التنظيم من إدلب وريف حلب الغربي والشمالي ومدينة حلب.

في حين تمكن التنظيم من السيطرة على الرقة وريف حلب الشرقي وكامل محافظة دير الزور، باستثناء مدينة دير الزور التي بقيت تحت سيطرة النظام السوري. 

وباستثناء محافظة دير الزور، لم تشارك “جبهة النصرة” في المواجهات ضد تنظيم “داعش”، بل ساهمت في تأمين قواته من المناطق التي انسحب منها في حلب وإدلب.

وارتكب “داعش” مجازر مروعة بحق السوريين، حيث عثر على مقابر جماعية لعشرات المدنيين والمقاتلين التابعين لفصائل الجيش الوطني، الذين تم إعدامهم نخرا من قبل التنظيم قبل انسحابه من المناطق السورية التي كان يتواجد فيها، وتمركزه في دير الزور والرقة وريف حلب الشرقي عام 2014.

ووسط كل تلك الأحداث ومع العام 2016 وما تلاه، يلاحظ أن التنظيم بدأ يخسر المزيد من المساحات التي كان يسيطر عليها، سواء لصالح فصائل المعارضة في الشمال السوري، أو لصالح “قوات سوريا الديمقراطية”، وقوات النظام السوري وروسيا والميليشيات الإيرانية شرقي سوريا.

وتعليقا على ذلك قال الباحث في شؤون الحركات الدينية بمركز جسور للدراسات “عرابي عبد الحي عرابي” لمنصة SY24، إن “هذه الفترة كانت مرحلة بداية ظهور التنظيم ومحاولة التمدد والمواجهة مع الفصائل لأنها رفضت التعاون معه، واستطاع التنظيم فرض وجوده، بالإعلان عن نفسه لأنه كان يملك القوة المالية والاقتصادية، وكل من كان يحرض ضده كان التنظيم يعتقله، فتلك الفترة كانت فترة شد وجذب بين الفصائل والتنظيم”.

وأضاف أنه “عندما حصل الاقتتال ظهرت أوراق التنظيم، وفضّل أن يواجه العدو الأقرب له ولم يكن العدو حينها قوات النظام وإنما كانت فصائل الجيش الحر والفصائل الأخرى، لأن التنظيم كان قريب منهم أكثر من قربه للنظام، لذلك قام بمهاجمتهم وحصلت الحروب والانتهاكات”.

وأوضح أن “رغم أن قيادات التنظيم التي هي في السجون ارتكبت هذه المجازر، لكن لا يخفى أن داخل التنظيم كان هناك خلاف اندلعت بين تياراته وهي (التيار البنعلي) و(التيار الحازمي)، إذ أن أنصار التيار البنعلي كان بعضهم يرفض التشدد في الدماء وإراقة الدماء في كل مسألة، بينما التيار الحازمي كان من أشد الغلاة وكثير من قياداته من الأمنيين وكانوا يرتكبون مجازر عجيبة غريبة، لكن في 2018 تم القضاء على هذا التيار داخل التنظيم وحصلت انشقاقات داخل التنظيم حتى قضي عليه، وتم تأسيس لجنة عليا لمتابعة بقايا هذا التيار داخل التنظيم”.

وتابع أن “ما حصل هو صراع مصالح، وكان التنظيم يرى في تلك الفترة أنه دولة وأنه لكي يثبت من حضوره لا بد من إزاحة كل الخصوم أمامه وأن يبسط سيطرته على كل المناطق التي تحت يده، وخاصة أن مناطق سيطرة الفصائل لم تكن تعتبر بنظرهم تحت سيطرة الكفار أو العدو بل كانت تحت سيطرتهم أصلا، واعتبروا أنه لن يسمحوا لأحد بإخراجهم منها وهنا تصاعد الأمر وحصل الاقتتال”.

وبات يلاحظ خلال العامين الماضيين كذلك، انحسار التنظيم في منطقة البادية السورية وتمركزه فيها، والانطلاق بعملياته من تلك المنطقة ضد قوات النظام و”قسد”.

واستطاع “داعش” إعادة ترتيب صفوفه وتجميع قواته في البادية السورية، بالرغم من إعلان قوات التحالف الدولي القضاء على التنظيم في سوريا.

وتتميز المنطقة الصحراوية التي ينتشر فيها “داعش” بصعوبة التضاريس والتي تجعل مهمة تتبع هذه الخلايا أمرا صعبا، بالإضافة إلى المساحة الواسعة والتي تقدر بحوالي 80 ألف كم مربع والتي أعطته القدرة على التحرك بسهولة.

ويقدر عدد عناصر التنظيم في البادية السورية بحوالي 2000 مقاتل معظمهم من العناصر الذين انسحبوا من مخيم اليرموك في جنوب العاصمة دمشق في أوائل شهر أيار من عام 2018، بالإضافة إلى المقاتلين الذين خرجوا من مناطق غرب الفرات بعد إعلان النظام السوري والميليشيات الموالية لإيران وروسيا سيطرتهم على محافظة دير الزور في أواخر عام 2017.

وكان الخبير العسكري والاستراتيجي العقيد “فايز الأسمر”، قال لمنصة SY24، إن “التنظيم يعتبر البادية السورية المسرح المفضل لعملياته على مبدأ اهجم اقتل اغتنم وانسحب”.

وأضاف “الأسمر” أن “داعش يعتمد على الهجمات الخاطفة مستهدفا تجمعات قوات النظام والميليشيات المتحالفة معه ثم يعمل على الانسحاب تخوفا من أي ضربات جوية”.

ومع تسارع الأحداث وانحسار التنظيم في البادية السورية، رغم وجود خلاياه التي تنشط في كثير من المناطق شرقي سوريا أو حتى في شمالها وجنوبها، يرى مراقبون أن التنظيم يحاول مجددا إرسال رسائل غير مباشرة للسوريين في محاولة منه لكسب ودهم مجددا وأنه لا يريد استهدافهم وإنما استهداف قوات النظام وميليشياته.

وفي هذا الصدد قال الباحث في شؤون الحركات الدينية بمركز جسور للدراسات “عرابي عبد الحي عرابي”، إن “التنظيم قام بمراجعات داخلية ويحاول أن يرسل رسائل إيجابية للناس بأنه لا يريد استهدافهم”.

وأضاف أنه “قبل فترة بدأت تنتشر عصابات خطف ونهب شرقي الفرات وبعضها يقول إنها باسم التنظيم، وحتى تم قتل شخصين من قبل التنظيم لأنهم ادعوا أنهم من التنظيم، وأنهم يجمعون الأموال باسم التنظيم، وهم يريدون من وراء ذلك إرسال رسائل إيجابية للسوريين”.

وتابع أن “السؤال هل التنظيم فعلا راجع أفكاره؟ خاصة وأن التنظيم ما زال يعتبر نفسه دولة وأنه خلافة الخ..، لكن هل سوف يُقبل لدى السوريين مرة أخرى؟، أعتقد أن هذا الأمر شبه مستحيل إلا إذا تغيرت الظروف وعادت السيطرة مرة أخرى للتنظيم على مناطق واسعة من البلاد”.

ومؤخرا، كثّف “داعش” من هجماته ضد قوات النظام والميليشيات الإيرانية والروسية في البادية السورية، وكبدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد رغم الحملات العسكرية الي شنتها هذه القوات ضده في المنطقة.

والجمعة، نفذ مجهولون، هجوما بسيارة مفخخة على قادة عسكرية روسية، في بلدة “تل السمن” بريف الرقة الشمالي. وأكدت مصادر خاصة من المنطقة الشرقية لمنصة SY24، وقوع الهجوم، مرجحة أن خلايا تتبع لتنظيم “داعش” هي من تقف وراء استهداف القاعدة العسكرية الروسية شمالي الرقة.

وقبل أيام، لقي 30 عنصرا لقوات النظام السوري مصرعهم، جراء تعرض حافة تقلهم لهجوم مسلح على طريق “حمص- تدمر- دير الزور”، إضافة لتعرض آخرين للخطف على يد المجموعة التي نفذت الهجوم.

وذكرت مصادر خاصة لمنصة SY24، أن الهجوم نفذته خلايا تتبع لتنظيم “داعش”، مؤكدة أن جميع القتلى هم من الفرقة الرابعة التابعة للحرس الجمهوري التابعة للنظام السوري، الأمر الذي يفند ادعاءات النظام ووسائل إعلامه بأن القتلى هم من المدنيين.

وكانت مصادر خاصة أكدت لـ SY24 أيضا، أن تنظيم “داعش” بات يتبع سياسة “لدغة العقرب”، أي أنه يضرب وينسحب من المنطقة مباشرة، على حد وصفها.

وفي أيار/مايو الماضي، أقدم تنظيم “داعش” على إعدام عدد من عناصر النظام السوري بينهم امرأة، كما قام باستهداف رتل عسكري يضم عناصر مليشيات الدفاع الوطني التابعة للنظام وعناصر من ميليشيا “عصائب أهل الحق” الإيرانية، وذلك على طريق “دمشق دير الزور” الأمر الذي أدى لقطع الطريق لبضع ساعات فقط.