fbpx

في سوريا.. مصابات الحرب بلا حياة!

تسببت الحرب في سوريا، بخسائر بشرية هائلة، فضلاً عن عدد كبير من المهجرين من ديارهم، كانت الحياة أمامهم وبين ليلة وضحاها وجدوا أنفسهم أمام طائرات تقصف، حاولوا الهرب، لكن غياب العدالة في هذا الزمن أجبرهم على تقبل فكرة العيش من دون بعض الأطراف، وبذلك لم تترك الحرب فقط آثارها النفسية عليهم، بل رسمت صورتها البشعة في ذاكرتهم وعلى أجسادهم.

هدنة مع الموت.. ضحايا الحرب

“عائشة” إحدى ضحايا الحرب اللاتي حاولنا خلق الأمل رغم قساوة الحياة وفي حديث خاص لها مع منصة SY24، قالت في الحملة الأخيرة للنظام والتحالف على ديرالزور عام 2017 اختارتنا مشيئة القدر لأكون وعائلتي ضحية صاروخ سقط على منزلنا مخترقاً السطح وجميع الطوابق لنكون بذلك هدفه المباشر، ليرمي بإحدى شظاياه على ساقي والأخرى استقرت في جسد زوجي والذي فارق الحياة على الفور.

وذكرت “عائشة”: كنت ببداية حملي، تعرضت لبتر في ساقي مع محافظتي على الجنين رغم المضاعفات الصحية التي أصابتني، عدتُ حينها لمنزل والدي لألتحق بقائمة طويلة من مصابي الحرب، اضطررت بعد ولادتي الاعتماد على والدتي وأخواتي في مساعدتي على تربية ابنتي، مضيفة: لا أزال حتى اليوم أبحث عن رعاية صحية ومؤسسة تكفل معيشتي مع ابنتي.

مناطق سيطرة المعارضة ضمت القسم الأكبر من المصابين، على اعتبار أنها هدف للقصف المتواصل من النظام وحلفائه، في مدينة الميادين الواقعة تحت سيطرة المليشيات الإيرانية، تعرضت “سلام” البالغة من العمر 26 عاماً لإصابة نتيجة تفجير في إحدى شوارع المدينة، مما أدى لبتر ساقها ويدها.

تقول “سلام” لا استطيع تجاوز الحادثة، اذكر جيداً لحظة وقوع التفجير كنت حينها أمشي في الشارع وفجأة انفجرت الدراجة النارية على مقربة مني فوقعت أرضاً، شعرت حينها بألم قاتل لأفاجأ بعدها أن يدي مبتورة وملقاه على بعد مسافة مني ولا أشعر بقدمي، انتابتني نوبة من الخوف والهلع حتى وصلت سيارة الإسعاف وتم نقلي إلى المشفى وبعد إجراء الإسعافات اللازمة تقرر بتر قدمي لأصاب بنوبة من الجنون والصرع تعاودني من حين لآخر.

وتضيف “سلام” إنني ارتاد بشكل أسبوعي المشافي الحكومية لتلقي العلاجات الضرورية، لكنني لم أحظى حتى الآن سوى ببعض جلسات العلاج الفيزيائي، وكل ما أتمناه الآن هو أن أستطيع تركيب طرف صناعي يساعدني على تلبية احتياجاتي وإعانة نفسي.

في تقرير أخير للأمم المتحدة حول إعداد المعاقين بسوريا وصفته بالصادم، حيث أشارت إلى أن هناك مايقارب ثلاثة ملايين سوري قد أصيبو بإعاقات جراء الحرب وتبين أرقام التقرير أن نسبة النساء إلى الرجال تتفاوت، إضافة للأطفال الذين تتراوح إصابتهم بين فقد أحد الأطراف أو الإصابة بالشلل جراء  إصابة العمود الفقري، بالإضافة إلى إعاقة سمعية وبصرية.

الباغوز آخر المعاقل …وتهميش متعمد

“نسيبة” إحدى النساء الضحايا اللاتي فقدن سمعهن وبصرهن جراء انفجار لغم بجانبها وهي تعمل في الحقل، وفي لقاء خاص لنا معها، تقول: أقيم في بلدة الباغوز في الريف الشرقي من ديرالزور آخر معاقل داعش، بسبب ضيق الحال فإنني أعمل كعاملة على إزالة الأعشاب في الحقول الزراعية.

وأضافت أن “طبيعة المهنة اضطرتني للتنقل كثيراً بين البلدات والقرى خلال السنوات الماضية، كنا نشاهد بعض اللافتات واللوحات الإرشادية للتنبيه بوجود خطر في بعض الأماكن، إلا أن بلدة الباغوز وامتدادها تعتبر منسيه وتفتقر لأدنى أنواع الدعم، تسبب انفجار اللغم بفقدي لسمعي تماماً وجزء من بصري إضافة لإصابتي ببعض الحروق والتشوهات والتي تسببت بعزلتي عن المجتمع فمنذ ذلك الحين وأنا جليسة منزلي خوفاً من نظرة الشفقة الموجهة لي من قبل الجميع”.

وعلى الرغم من الهزيمة العالمية ضد داعش في المنطقة الشرقية من سوريا، إلا أن الدعم الدولي لم يرتقي للمستوى المطلوب للتعامل مع آثار المعركة بعد أكثر من ثلاثة سنوات على الاستقرار الأمني، لا سيما الألغام القاتلة.

ترى الناشطة “منى”، أن هناك تقصير كبير من قبل الإدارة الذاتية وتحديداً بهذه المناطق والتي تعتبر آخر المعاقل لتواجد التنظيم، مضيفةً بأن “الخدمات الطبية لمثل هذه الحالات الإسعافية تعتبر ضعيفة، كما أن البعد الجغرافي بين المناطق تسبب بوفاة وفقدان الكثيرين قبل وصولهم للنقاط الصحية في المناطق المجاورة لهم، لتلقيهم المساعدة المطلوبة، إضافة لإنعدام وجود ثقافة توثيق مثل هذه الحالات”.

وأشارت الناشطة إلى أن “الألغام قتلت وجرحت مئات المدنيين، وستزداد الأرقام على الأرجح مع عودة المزيد من النازحين وخاصة النساء الخارجات من مخيمات الهول”.

الفاكهة المسروقة.. الضحايا بالآلاف

وفي سياق آخر تقول الطبيبة “حنان”، إن الحرب لم تكتفي بترك آثارها على آلاف النساء الضحايا مبتورات الأطراف، بل تخطتها لتلحق الأمراض والبؤس وخاصةً بالنساء الذين يعيشون في المنطقة  الشرقية، أنواع الأسلحة الفتاكة التي استخدمت ضدهم إضافة للطرق البدائية لتكرير النفط المسروق في المنطقة اجتمعا معاً ليشكلا خطراً داهماً تجسد بإرتفاع كبير في الإصابات بالأمراض المزمنة وفي مقدمتها الأمراض السرطانية التي فتكت بالآلاف منهم.

وأضافت أن “تردي الواقع الصحي في غالبية المناطق إضافة إلى الصعوبة التي يواجهها المواطنون في التنقل البري نتيجة الأوضاع الأمنية المتردية في المنطقة والزمن الطويل اللازم لنقل المصابين مع انتشار حواجز على طول الطريق أدى إلى وفاة الكثيرين نتيجة تفاقم الإصابة”.

وأشارت إلى أن “الطريقة الوحيدة الباقية لنقل المصابين هي بالنقل الجوي والذي يعتبر مكلف للكثير منا حالياً”.

الجدير بالذكر أن العديد من المنظمات الإغاثية عملت في السنوات الماضية على تأمين مراكز لتجهيز الأطراف الصناعية ومعالجة جرحى الحرب، إضافة لافتتاح بعض المراكز الخاصة بعالج أمراض الأورام في المنطقة الشرقية، إلا أن حجم الإصابات بحسب إحصائيات الأمم المتحدة مؤخراً، يفوق قدرة المنظمات والمراكز عن تقديم المساعدة اللازمة التي تمكن هؤلاء المصابين من إكمال درب حياتهم ومستقبلهم بشكل طبيعي إضافة للتغيب الواضح للمؤسسات الداعمة لأي مشروع صغير يحتويهم.