fbpx

السوريات في دول اللجوء.. حياة قاسية مزقها التعنيف والاضطهاد!

لا يغادر الإنسان أرضه التي ولد وترعرع وكبر بين تفاصيلها إلا إذا حاصره الموت من كل الجهات، وهو حال السوريين الذين ما إن انتفضوا ضد “نظام دكتاتوري” جثم على صدورهم زمناً طويلاً حتى حاصرهم بالموت من الجهات كافة، عندئذ خرجوا من البلاد متجهين إلى بلدان العالم، حيث تناثر السوريون هرباً من الآلة العسكرية الوحشية للنظام السوري، ليصلوا إلى بلدان جديدة بحثاً عن الأمان.

النظرة السلبية .. ملاذ اللاجئات

لم تهدأ العاصفة بعد، فبعد شتات السوريين في العالم ظنوا أنهم وجدوا الأمان في بلاد المهجر، إلا أن الكثير من اللاجئات السوريات يواجهن الصعوبات في حياتهن اليومية داخل مراكز إقامة اللاجئين، بسبب تعرضهن للعنف من أزواجهن، وبمساعدة منظمات اجتماعية ألمانية خرجت الكثيرات منهن عن صمتهن ساعين لحياة جديدة.

تقول “أم خلف” التي تنحدر من ديرالزور وتعيش في ألمانيا حاليا، “أقيم مع أطفالي في شقة منعزله عن زوجي منذ أكثر من سنتين في مدينة آخن، لم أعد اقوى على تحمل العيش مع زوجي لقد تعرضت إلى كل أنواع العنف كان يصفعني وينهرني أمام أطفالي، وكثيراً مابقيت سجينة الغرفة حتى لا يراني الآخرين كلما كانت إحدى عيناي زرقاء بفعل العنف الذي كان يمارسه زوجي علي”.

وأضافت أثناء حديثها مع منصة SY24، “لم أتجرأ أبدًا على البوح والحديث لأحد عم أواجه خشية تفريقي عن أولادي، إلا أن تعنيف زوجي الدائم جعلني أتواصل مع إدارة المبيت التي كانت بدورها توفر المساعدة والاستشارة للنسوة القاطنات”.

وحول توفير المساعدة تخبرنا “بيان” إحدى الناشطات العاملات في هذا المجال، بأن دور المنظمات يقتصر على تقديم المساعدة الفورية لكل امرأة تطلب ذلك، وتتمثل المساعدة في تقديم النصيحة والاستشارة هاتفيا، وتضيف “لكننا  نسرع في تقديم حلول وقائية وعاجلة من أجل تخليص المرأة من العنف الذي تعيشه”.

وتوضح أن مهمة المنظمة تتمثل بالدرجة الأولى في مثل هذه الحالات، في توفير سكن آمن بعيد عن الزوج في نفس المدينة أو خارجها ، وفي حالات التهديد بالقتل تقوم المنظمة بالتعاون مع الدوائر الرسمية بمنح هوية جديدة لهن.

وتقول الناشطة إن العنف بكل أشكاله يمنعه القانون الألماني وهذا ما تحاول المنظمات النسائية عموما إيصاله للنساء العربيات اللواتي يعانين بصمت، بدعوى أن العنف يعود إلى خلفيتهن التقليدية، ولذلك فهن لا يتجرأن على تقديم شكاوى ضد أزواجهن.

الاستقلالية .. الأمان المادي

تجد العديد من الفتيات والسيدات أنفسهن في أوروبا أمام تجارب مختلفة تجبرهنّ على الاستقلالية في كثيرٍ من الأحيان، من خلال تأمين الحياة المادية المستقلة، إضافةً إلى طبيعة المجتمعات المشجعة لدور المرأة واستقلاليتها.

وفي هذا السياق تقول “رنا”: “كنت أفكر في الانفصال عن زوجي منذ أن كنت في سوريا،  إلا أني عدلت عن ذلك خوفاً من  كلام المجتمع والعائلة وتدهور وضعي المالي والنظرة السلبية للمطلقة في المجتمع، وأخذت قرار الانفصال نهائياً هنا في برلين حينما علمت أنه يخونني مع امرأة أخرى، ناهيك عن أنه كان يعنفني ويعاملني بازدراء”.

وتضيف: “نشأت فكرة الانفصال لدي عقب جلسات التوعية التي تم تقديمها لنا من قبل بعض المنظمات النسوية، كما أن رغبتي في الحرية بعيداً عن العنف والقيود شجعتني في أخذ هذا  القرار، وبالتالي فإن نظرة المجتمع وإعالتي لنفسي لم يعد يمثلان أي عائق بالنسبة لي”.

 

 

تأثر العلاقات .. المجتمع المضيف

لم يتجه السوريون إلى دول العالم بهدف السياحة والاستجمام، ولم يكن أمامهم حلٌ آخر غير اللجوء إلى البلدان المختلفة مما أثر على العلاقات الأسرية والإجتماعية بين اللاجئين.

في سوريا كان الأقارب أكثر ألفة فيما بينهم، لكن هنا كل شخص أصبح يهتم بحياته بمعزل عن الغير..”، هكذا استهلت اللاجئة “ريما”  تجربتها في ألمانيا بعد ثمان سنوات من وصولها.

تقول “ريما”: من خلال تعرضي لمواقف عديدة أجد أن هناك تغيير ملموس، وعلى سبيل المثال مع مرور الوقت لم أعد أستطع رؤية معارفي وأصدقائي في كل وقت، بإستثناء إن جمعتنا الصدفة أو ظرف إجتماعي”، مضيفةً بأننا أصبحنا بحاجة إلى أخذ موعد مسبق إذا أردنا زيارة أحد من أقاربنا، فغالبية  الناس أصبح وقتها ضيق للقيام بواجباتها الإجتماعية مثل صلة الرحم وغيرها التي عرفت بها عادات وتقاليد مجتمعنا بديرالزور.

أتاحت الهجرة إلى أوروبا لعدد كبيرٍ من النساء المهاجرات تجربة العيش بإستقلالية وهذا أمر مستهجن في مجتمعنا وخاصة المحافظات الشرقية من سوريا، إذ تعيش العديد من النساء حياة بعيدة عن الاستقلالية لأسباب خارجة عن إرادتها  في كثيرٍ من الأحيان، تفرضها العادات والتقاليد، وطبيعة المجتمع، وحتى الدين أحيانًا.

الاعتمادية .. العيش بمفردي

وفي هذا السياق تروي “لمياء” تجربتها في الهجرة لفرنسا لمتابعة دراستها، وتقول: “إن خوض تجربة العيش بمفردي كان أمرًا جيدًا بالنسبة لي، ففي مجتمعنا والذي يوصف بالمحافظ عادةً ما تنتقل الفتاة من منزل والديها إلى منزل زوجها دون أن تخوض تجربة العيش بإستقلالية إلا في حالات نادرة، أما اليوم فإنني أجد أن هناك أمور سلبية وآخرى إيجابية، وقد علمتني هذه التجربة الكثير ، والأمر الأهم أنني هنا تمكنت من منع الناس من التدخل في حياتي، وبات بإمكاني أن أوقف من يتدخل عند حده أو أقطع علاقتي به دون خوف من لومٍ اجتماعي أو ضغط، على عكس ديرالزور حيث أن المجتمع يخلق عامل ضغطٍ كبير على حياتنا”.

وزادت قائلة: “جميعنا واجهنا صعوبات كثيرة خلال هذه السنوات لكن كل هذا كان ثمناً لحريتي، فأنا اليوم أعيش بحرية مطلقة، لا رقابة لأحد على حياتي. أنا سيدة نفسي ووقتي وحتى نقودي، يمكنني أن أقود دراجتي من دون رقابة اجتماعية تقيمني بطريقةٍ سلبية”.

في تشابه للظروف بين الكثير  من النساء السوريات انتقلت “رقية” من ديرالزور إلى هولندا  لمتابعة دراستها، والتي تصف وضعها الاجتماعي سابقاً لدى عائلتها، حيث كانت تعتبر “الفتاة المُدللة”، لكنها اليوم أصبحت رهينة للظروف لتجد نفسها وجهاً إلى وجه مع حقيقة أنه عليها العيش بمفردها، وكان عليها أن تحصل على سكن و أن تقوم بتجهيزه، وأن تقيد مكان إقامتها والعديد من التفاصيل التي لم تكن قد سمعت عنها من قبل.

تقول “رقية”: إن “هناك الكثير من المهام التي علي القيام بها، ما خلق لدي ضغطاً نفسياً، وقد أمضيت فترتي الأولى بمزاجٍ عصبي ونوبات بكاء لأني لم أكن أعرف من أين أبدأ، لكن مع مرور الوقت علمني كل هذا كيف أعيش بمفردي، وكيف أقوم بكل شيء، حتى أني بدأت بتدبر تفاصيل حياتي والقيام بفعل أشياء لم أتخيل من قبل أنه بإمكاني فعلها، والتحدي الأكبر أن كل ذلك كان بلغةٍ آخرى وفي بيئة مختلفة لا أعرف عنها شيء”.

وأضافت أنه “على الرغم من كل التسهيلات إلا أني لا زالت أشعر بالخوف ليس لانعدام الأمان، إنما لغرابة المحيط وبعدي عن والدي وأخواتي”.

 

لا يختلف حال المرأة السورية في دول اللجوء عن نظريتها في سوريا، فرغم الأعباء الأسرية التي تحملتها بعض السوريات في دول اللجوء والجوار، إلا أن النظرة  الاجتماعية المستهجنة لعيش المرأة بمفردها ومطالبتها بحقوقها  لاتزال تشكل عبئًا إضافيًا عليها.

الجدير ذكره، أنه وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 60% من النساء السوريات يتعرضن للعنف والاضطهاد الأسري ويخشينَ الإبلاغ عن ذلك بسبب هيمنة الثقافة الذكورية والنظرة السلبية لهن من قبل المجتمع.