fbpx

أطفال سوريا.. حقوق مسلوبة بين العمالة والفقر

تتعدد الانتهاكات بحق أطفال سوريا، والقاطنين منهم في مناطق النظام على وجه الخصوص يعرفون المعنى الحرفي للتهميش والعوز لترسم صور انتشالهم قوت يومهم من القمامة الواقع المعيشي الصعب لغالبيتهم في المدن السورية.

يتمثل ما يعيشونه في كل يوم من خلال العمالة والابتعاد عن مقاعد الدراسة بالموت المعنوي لهم، وهذا يوازي عمليات القتل والقصف والتهجير التي يمارسها النظام بحق أقرانهم في مناطق متفرقة من سوريا، لم تكتفي هذه الظاهرة بأن تصبح أحد المظاهر العادية في الشارع، بل لحقتها تبعت عرضتهم لسوء المعاملة والاستغلال بعدما حرمهم النظام من أبسط حقوقهم في التعليم والحماية.

فلا يخفى على أحد أن الأزمة الاقتصادية والحرب وانعكاساتهما، كانت السبب الرئيسي والأول في تفاقم هذه الظاهرة، كلا السببين اجتماعى ليجرى الويلات على الشعب السوري، هكذا بدأت حديثها الباحثة “نور” في حديث خاص لها مع منصة SY24.

عوامل أسهمت في عمالتهم

وقالت “نور” إن “هذه العوامل مجتمعة ساهمت في خروج الأطفال من المدارس والتوجه إلى الورش والمصانع  للبحث عن لقمة العيش لمساعدة ذويهم في تحمل مشاق الحياة، فأصبح لدى غالبيتهم قناعة بأن التعليم لا يطعم خبزاً، إضافةً إلى تستر أرباب الأعمال على الأطفال العاملين وعدم التصريح عنهم”.

وأشارت الباحثة إلى أن “ذلك يعتبر مربحاً بالنسبة لأصحاب الورش اللذين يدفعون أجوراً للأطفال أقل بكثير مما تدفع للعمال، وهذا ما يعقد عمل لجان التفتيش والرقابة للتصدي لمثل هذه الظاهرة”.

وزادت قائلة: “على الرغم من النصوص الكثيفة في القانون الدولي، والتي تصر على ضرورة مراعاة حقوق الطفل، إلا أن الأطفال في سوريا تعرضوا على مدى السنوات الماضية لمختلف أنواع الانتهاكات التي تعرض لها البالغون دون أي خصوصية أو مراعاة، فبحسب البيانات الأولية للشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن أكثر من 3800 طفل في سوريا تعرضوا للاعتقال التعسفي والتعذيب”.

“عمر” وأخواته ثلاثة أطفال في عمر الزهور أجبرتهم الظروف على التضحية بمستقبلهم لمساعدة والدهم، تركوا الدراسة وتوجهوا للعمل بمهن لا تتناسب مع أعمارهم وبأجور زهيدة لا تساوي جهدهم الذي يبذلونه.

يقول “عمر”: نزحت مع عائلتي من ديرالزور إلى الحسكة بعد أن حرق ودمر منزلنا أثناء القصف، في السنة الأولى من نزوحنا لم يتم قبلونا في المدارس لأننا لا نمتلك ما يثبت هويتنا، حينها وجدنا أنفسنا مجبرين على مساعدة عائلتنا اعمل وأخي في مقهى لتقديم  المشروبات بينما يعمل أكبرنا في تحميل البضائع بسوق الهال لبيع الخضرة، لم نكن نتوقع أن يطول الأمر بنا لكن سرعان ما تأقلمنا مع الواقع الذي نعيشه، وأضاف الطفل، بأن الأجور اليومية التي يتلقونها تم تخصيصها لدفع إيجار منزلهم، فيما يعمل والدهم على تأمين المصاريف الأخرى”.

في ظروف مشابه لغالبية الأطفال في سوريا، تقف “ساره” بنت 10 أعوام على رصيف الكراجات يومياً، وبيديها الناعمتين تحمل أكياس المحارم والشمع التي تزن ضعف وزنها، تدور في الشوارع وتقف أمام سيارات المارة لبيعها، ليصرفها الناس من أمامهم دون أن يعلموا قصتها.

تقول “ساره”: “أعمل على مساعدة أمي لتأمين قوت يومنا وبعض الأدوية لأبي المصاب، أصبحت اتجول أكثر بين الشوارع والحارات لبيع أكبر قدر من السلع الموجودة لدي، لأشتري معطف شتوي وملابس لوالدي تقيهم من برد الشتاء القادم”.

“ساره” و “عمر” مع إخوته، مثال عن شريحة كبيرة من العائلات السورية التي اضطر أبناؤها للعمل في هذه الظروف، كما أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الداخل السوري فحسب، وإنما تخطتها لتصل إلى العوائل التي لجأت إلى دول الجوار، حيث انتشرت عمالة الأطفال السوريين في تلك البلدان بشكل واضح للعيان، وكثيراً ما نسمع عن انتهاكات لحقوق هؤلاء الأطفال، لتستغل جهودهم وحاجتهم الماسة بأصعب المهن وأدنى الأجور فضلاً عن تشغيلهم بأعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم.

معاناة مضاعفة … ملاحقة الشرطة

الطفل “مصطفى” على سبيل المثال عمره 14 عاماً مقيم في أورفا يعمل عتال في معمل متخصص لأنتاج الفحم، ومع أن سقوطه على الأرض بين الفينة والأخرى وهو يجر العربات ويحمل الأكياس يدل على أن بنيته الجسدية ضعيفة لا تتحمل عمل كهذا، إلا أنه يقوم به لأن مردوده أعلى من العمل في المقاهي على حد قوله، ويضيف بأن المهم بالنسبة له مساعدة والديه وتوفير بعض المال.

هؤلاء الأطفال لا يواجهون فقط إجهاد العمل واستغلال رب العمل الذي يفضلهم على غيرهم بسبب أجورهم المتدنية، بل أيضا يواجهون دوريات الشرطة التي تلاحقهم في الحارات والأحياء بكثافة لأنهم يقومون بأعمال مخالفة للقوانين.

“حسن” ذو التسعة أعوام يعمل على بيع الخبز في الشوارع، يخبرنا بأنه ليس لديه خيار آخر في إيجاد مصدر آخر للرزق، ويضيف بأنه “من حين لآخر ألعب مع الشرطة لعبة القط والفأر من خلال الانتقال من منطقة إلى آخرى خوفاً من الوقوع في يدهم”.

غياب دور المنظمات الإنسانية …

والجهات الراعية

وفي سياق آخر ترى الناشطة “ديمة” من مدينة الرقة، أن ازدياد النزوح إضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والفقر وانخفاض قيمة العملة، أدى إلى عجز الكثير من العوائل عن تأمين دخلهم، تبعها وباء كورونا مؤخراً، والذي أطبق المعاناة أكثر وساهم في خروج ظاهرة عمالة الأطفال عن السيطرة.

وأضافت الناشطة أن “قسم كبير من الأطفال يعمل في ورشات تصليح السيارات والمخابز، إضافةً لنبشهم القمامة للبحث عن النايلون والكرتون وعزلها وبيعها للمعامل، فأثناء جولتنا للعمل خارج المدينة، فإننا نرى تجمعات من الأطفال وأمهاتهم بالقرب من مكبات القمامة الخاصة بالقواعد العسكرية ونزل الأجانب العاملين في المنظمات الإنسانية ينتظرون موعد تفريغ المخلفات، ليبدأ النبش بها بحثاً عن بعض اللقيمات من الطعام الصالح والخردة”.

وزادت قائلة: “رغم الانتشار الواسع للمنظمات الإنسانية في المنطقة، إلا إنه يوجد ضعف كبير في تطبيق القوانين الخاصة بحظر تشغيل الأطفال، إضافة لانعدام وجود جهات وهيئات مستقلة ترعى الأطفال الفقراء وتقدم لهم المساعدة اللازمة للعيش بكرامة”.

وبالرغم من مصادقة النظام السوري على القوانين الخاصة بالأمم المتحدة والتي تقتضي بتحديد عمر 15 عام كحد أدنى لعمل الأطفال ودفع غرامة بقيمة 2000 $ لمن يخالف ذلك، إلا أن معظم الدراسات تشير إلى أن كل طفل سوري يقابله من ثلاثة إلى أربعة أطفال من أقارنه عاملين، وآخرين يعانون من مشاكل صحية، بينما يتعرض آخرون منهم لإصابات عمل.

الجدير بالذكر بأن هذه الظاهرة لا تنتشر فقط في سوريا بل تخطتها إلى  مخيمات النزوح في دول الجوار، ليصبحوا الأطفال من خلالها لاعبين اقتصاديين أساسيين في الأسواق، ولكنهم يخسرون طفولتهم وحياتهم الطبيعة وتعليمهم.