في سوريا.. لعنة تلاحق المرأة إلى الأبد!

حين تسلط سيوف الأعراف الاجتماعية بقوة يكون المشهد قد تخطى الواقع، عام سوري دامٍ بامتياز يضاف إلى سابقه مما مضى، فما عادت حوادث القتل والاختطاف والسرقة حوادث فردية تقتصر على منطقة سورية دونما غيرها، بل باتت أشبه بظاهرة شهرية تجتاح حياة السوريين وعناويين صفحاتهم الإخبارية.

ولم تقف مقصلة الجلاد بالحكم على الضحية عند هذا الحد، بل تخطتها لتعيد ظاهرة غسل العار أو جرائم الشرف إلى المجتمع، وهو مصطلح يتكررعلى أسماعنا كثيراً، لكن بلا حلول واضحة أو تحرك حقيقي اتجاهه، لنجد أن الجريمة مازالت مستمرة والعمل بقوانينها مازال جارياً وكأنها لعنة تلاحق المرأة إلى الأبد.

محاولة خجولة للتصدي للظاهرة

“حق فتاة الحسكة” من أكثر الهاشتاغات التي تم تداولها على مواقع التواصل في سوريا، ودعمتها دول عربية عدة، والتي أثارت حالة من الغضب شغلت الرأي لعام لفترة من الوقت ولكن سرعان ما نُسيت كأخواتها من الضحايا رغم تحرك الرأي العام تجاه الجلاد، هكذا بدأت حديثها الناشطة “سارة” إحدى الفاعلات لدى منظمة المرأة الدولية، في حديث خاص لها مع منصة SY24.

تقول الناشطة: “ليس هناك من جديد في مسرح الجريمة، غير أنها باتت تحاكي مشاهد العنف التي تنتشر على شاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، فالقاتل في جريمة جرابلس السابقة، والأخرى ضحية اللاجئ الألماني الذي قتل زوجته ونشر لاحقاً تسجيلاً مصوراً مباشراً يعترف فيه بقتله لها، والأخيرة فتاة غويران، جميعها تمارس بطريقة لا تذكرنا سوى بمشاهد العنف التي 

ارتكبتها قوات النظام وداعش بحق الأبرياء المدنيين”.

 

وزادت قائلة: “بعد الحرب وبحسب تصريحات من النظام، ازدادت جرائم الشرف لأربعة أضعاف عما كانت عليه في السابق، والعار الحقيقي ليس فيما ارتكبته الضحية، وإنما في طريقة معالجة هذا الخطأ إن لم يكن مجرد أوهام بالأساس”.

صمت المجتمع .. عادات وتقاليد بالية

وفي هذا السياق كان لنا لقاء مع “نهى” إحدى الفتيات المقربات من الضحية “عيدة السعيدو”.

تقول الفتاة: “تربطني علاقة طفولة مع الضحية، لم أصدق ماحصل للآن، أصبحت وباقي صديقاتي نحتسب خطواتنا في الشارع خوفاً من تفكير أهلنا بنفس الطريقة، فمنذ ما يزيد عن السنة حاولت عيدة إخبار أهلها حول الشاب لكنها قوبلت بالرفض من إخوتها وعُنفت حينها أكثر من مرة، كما أنهم منعوها من الخروج من المنزل بحجة أنها محيرة لابن عمها وهي عادة في مجتمعنا، تسمى بها الأثنى حين ولادتها على اسم شخص من أقاربها ليتزوجها في سن محدد حتى إنه يصبح مسؤول عنها ويلاحق سلوكها لحين ارتباطهم، وفي حال عدم حصوله عليها فإن عاداتنا المجتمعية تفرض عليه غسل العار كما يسمونه”.

 

وتضيف “كثيراً ما ترددت على أسماعنا مثل هذه الروايات عن أمهاتنا وجداتنا، لكن صديقتي لم تأبه لكل ذلك لتلقى مصيرها كسابقتها من النساء الضحايا، ويغفل القانون بالتوقف عن ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة، حتى إنه أفرج عن قسم منهم رغم تباهيهم وتوثيقهم للحادثة، لنصبح أنا ومثيلاتها لا تساوي ثمن رصاصة لدى أهلنا والتقاليد البالية”.

وتابعت الفتاة قائلة: إن صديقتها “عيدة” لم تكن الضحية الأخيرة، فبعد عدة أيام تلت الحادثة جريمة أخرى تختلف قليلاً بالمشهد عن سابقتها ولكنها تحمل نفس مسمى العيب وغسل العار، وأيضاً بداعي تدنيس شرف العائلة والحفاظ عليه، فقد أقدم والد الفتاة (آية) التي لم تتجاوز الـ 16 من عمرها على خنقها، وذلك بعد حبسها لمدة طويلة في المنزل بحجة أنها كانت السبب بإنهاء مستقبل ابن عمها والذي أدين بالسجن مدة 30 عامًا على أثر اغتصابها”.

لا يزال المجتمع السوري وخاصة في البيئات التقليدية المحافظة ولا سيما الريفية منها، قائماً على مفهوم العيب الذي ينحصر فيه الشرف كقيمة اجتماعية بوضع المرأة في العائلة، وليس بتفوقها ونجاحها وأمانتها كقيم يُفترض أن تكون هي السائدة، بحسب ماقالته الباحثة الاجتماعية “سهى”.

تقول الباحثة: “يصمت المجتمع المحيط عن جريمة قتل النساء التي تقع تحت مسمى غسل الشرف لأن مرتكبها يكون أحد أفراد العائلة، وهذا يعتبر جرماً أشد من الجريمة بحد ذاتها، فمجتمعنا المحافظ بغالبيته المرتبط بثقافة النظام الذكوري المتسلط يرتبط مفهوم الشرف لديه بالجنس، حيث لجميع الذكور الحق في تعيين نمط حياة نساء العائلة، ليكون الرجل هو المالك الحصري لجسد المرأة، وبذلك يشرع لنفسه أن له الحق في ملاحقتها والتحقيق بسلوكها والحكم عليه ثم التنفيذ”.

وأضافت أنه “عادة ما تُرتكب جرائم الشرف خوفًا من فقدان الوضع الاجتماعي وتشويه سمعة الأسرة، التي يعتقد بأنها تسبب العار للعائلة”.

قوانين مجحفة وسلاح متوفر

تتشابه ظروف الضحايا النساء في المجتمع السوري، ولكن العنف المتبع بحقها يختلف بحسب نوع العار الذي جلبته للعائلة كما يطلق عليه المجتمع، يقول المحامي “أيهم”.

بحسب المرسوم التشريعي الصادر عام 1949، أعفى القانون السوري المجرم من العقوبة في حال إقدامه على القتل متذرعاً بدافع الشرف بمنحه عذراً محللاً ذلك.

وبعد مطالبة حقوقية محلية ودولية حول الموضوع، طرأ تغيير بسيط عام 2009، يدان الجاني فيه مدة عامين بالسجن ولكن كحد أقصى، وعام 2011 أجري تغيير طفيف ولكنه مازال يقتضي بعدم إدانة الجاني كما يجب، بحسب وجهة نظره.

 

وأشار المحامي إلى أنه رغم اختلاف وتنوع السلطات الحاكمة حالياً في البلاد، إلا إنها مازالت تستند إلى قوانين حكومة النظام السوري، وخاصةً في قضايا جرائم الشرف وتتعامل معها بشكل متطابق.

 

يذكر أنه رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة حول هذا النوع من الجرائم في سوريا، فإن بعض المنظمات الحقوقية وثقت مايزيد عن 24 حادثة قتل العام الماضي، من بينها 16 امرأة قتلهنّ أقاربهنّ بحجّة الشرف، فمع انتشار السلاح وعدم وجود قوانين رادعة أصبحت إمكانية الإقدام على هذه الجرائم أسهل مما مضى.