fbpx

ملابس الشتاء.. رفاهية استغنى عنها السوريون

عبثاً تحاول “أم ياسين” أن تعيد خياطة الجاكيت الشتوي لطفلها “ياسين” بإضافة قطع قماشية، ليصبح مناسباً له مرة أخرى، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل كما أخبرتنا، فقماش الجاكيت مهترئ، ولم يعد صالحاً للباس ككل عام.

تقول “أم ياسين” من سكان الغوطة الشرقية في دمشق، وهي أم لثلاثة أطفال أكبرهم لم يبلغ العاشرة بعد، لمنصة SY24: “لم يرتدِ ياسين وإخوته الصغار ملابس جديدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعد وفاة والدها، بسبب ضيق الحال التي نعيشها، والغلاء الفاحش الذي طال أبسط مقومات العيش في البلاد”.

تملك “أم ياسين” ماكينة خياطة يدوية، ورثتها عن أمها منذ زمن، ترسل لها جاراتها ومعارفها في الحارة بعض الملابس لخياطتها أو إصلاحها، مقابل مبالغ مالية بسيطة، تعينها في مصروف المنزل، من طعام وشراب فقط، أما بالنسبة لشراء الملابس فهي خارج حساباتها منذ فترة طويلة.

“أم ياسين” واحدة من آلاف النساء والعائلات السورية، التي أصبحت أبسط حقوقهم في شراء كسوة ملابس شتوية لهم ولأطفالهم، رفاهية استغنوا عنها، بسبب ضعف القدرة الشرائية مقابل ارتفاع كبير في أسعار الملابس.

جال مراسل SY24 في أسواق مدينة دمشق، واطلع على أسعار بعض الملابس مع بدء الموسم الشتوي والتي طغى عليها الغلاء الفاحش حسب رأي كثير من الناس في السوق.

فسعر جاكيت ولادي متوسط الجودة لا يقل عن 35 ألف ليرة سورية، وبنطال الجينز 20 ألف، وكنزة صوف 25 ألف، أي أن تكلفة إكساء طفل بشكل كامل بالإضافة للحذاء والجوارب ولباس داخلي، لا تقل عن 150 ألف ليرة، أي ما يعادل خمسين دولار، وهو ضعف راتب موظف حكومي في دمشق.

ليست دمشق وحدها من تشهد حالة ارتفاع جنوني بالأسعار، فيد الغلاء طالت جميع السوريين في باقي المحافظات، وأكدت مصادرنا في درعا وحمص واللاذقية وباقي مناطق الساحل، إضافة إلى المحافظات المناطق الشرقية، “أن الأسواق والمحال التجارية تشهد ضعف في إقبال الأهالي على شراء الملابس”.

تتعجب “أم ياسين” من غلاء الأسعار قائلة: “لا قدرة لي على كسوة ولد، فكيف بالثلاثة!! أحتاج إلى 300 ألف ليرة لشراء ملابس لكل طفل، وهذا ما لا يسعني تأمينه لهم”.

تتابع قولها: “يحز في قلبي أن هؤلاء الأطفال لا ذنب لهم في هذه الظروف، فهم لم يعيشوا طفولتهم كباقي أطفال العالم، لا غذاء صحي ولا ثياب جديدة ولا حياة كريمة، كل ما عاشوه ويلات الحروب والفقر والبؤس”.

تخيط أم ياسين ككثيرٍ من الأمهات، ما اهترأ من ملابس أطفالها على ماكينتها الصغيرة، وتدير قطعاً أخرى من الثياب الكبيرة، لتصبح بحجم يناسب مقاس أطفالها، وتلبس الصغير ما كان يلبسه الكبير في عملية توريث للثياب، تعتمدها كثير من الأسر الفقيرة في سوريا”.

بينما تلجأ نسوة أخريات إلى أسواق البالة والمستعمل، تشتري كسوة أطفالها، بأسعار مقبولة نوعا ما، حسب من التقيناهم من الأمهات.

بالإضافة إلى ملابس البالة التي تستهوي الشابة “عفراء” من مدينة حمص، وهي طالبة جامعية، فإن هناك مجموعات شراء وبيع ومقايضة الملابس في مواقع التواصل الاجتماعي، التي حلت مشكلة لدى بعض الفتيات اللواتي لا قدرة لهن على شراء الملابس الجديدة.

تقول لنا في حديث خاص لمنصة SY24: “تعرض النسوة قطع ملابس بحالة جيدة للبيع بنصف سعر الجديد، أو للمبادلة على قطع أخرى، ساعدتني هذه الطريقة على ارتداء الملابس الجيدة والمتنوعة بسعر مقبول، لأن الملابس الجديدة أسعارها مرتفعة جداً لا قدرة لي على شرائها”.

بينما يعمل “فهد” اسم مستعار لطالب جامعي من كفربطنا في ريف دمشق، أكثر من خمس ساعات يومياً، مقابل الحصول على ألفي ليرة فقط، أي 55 ألف شهرياً، ويحتاج لشراء ملابس له بقيمة لا تقل عن 170 ألف ليرة سورية أي ضعف أجرته الشهرية ثلاث مرات، لذلك يلجأ إلى محلات البالة في السوق لشراء كسوته السنوية، حيث لا قدرة له على شراء الملابس الجديدة أيضاً.

يقول “فهد” لمنصة SY24، إن “سعر الجاكيت أكثر من 60 ألف، والكنزة 23 ألف، و البنطال 30 ألف والبوط الجيد 50 ألف وهذه الأسعار لأرخص الأنواع في السوق، أما ملابس الماركات ذات الجودة العالية فأسعارها خيالية”.

لا يلتفت الكثير من المواطنين في سوريا إلى شراء الملابس مع بداية الشتاء، فهناك ما هو أشد ضرراً حسب قول من التقيناهم، من تدفئة وطعام وأجرة المنزل وتأمين المواصلات وباقي مقومات العيش التي لا يمكن التخلي عنها.