“سوء التغذية” يفتك بأطفال الشمال السوري

قضت “حنان 23 عام” نازحة من ريف إدلب الجنوبي، ثلاثة أيام في مشفى بلدة “أطمة”، لعلاج طفلتها ذات الأشهر العشرة، بعدما تراجعت حالتها الصحية كثيراً، فحجمها الصغير ونحالة جسدها وشحوب وجهها، جعلت الأم تقلق أكثر، بعدما شخص الطبيب المشرف على حالتها، المرض بالتهاب أمعاء حاد، نتيجة سوء التغذية وإدخال حصص من الأطعمة غير مناسبة لعمرها الصغير.

دفع الفقر وسوء الأوضاع المعيشية، كثير من العائلات في المخيمات، إلى التخلي عن أصناف غذائية مهمة للصحة، خاصة للأطفال دون الخامسة، وهي مرحلة مهمة للبنية الجسدية، ما سبب وجود حالات كثيرة من سوء التغذية الحاد، وكان عشرات الأطفال ضحايا تلك الأوضاع المعيشية السيئة.

تقول لنا “حنان”: “لم يعد في صدري حليب منذ أشهر، لأني لا أتغذى جيداً كما ينبغي للأم المرضع، اضطررت لإعطاء ابنتي النشا وماء الأرز بدل الحليب لعدم توفر ثمنه معنا، حتى أكل المرض صحتها وجفت عروقها”.

يمثل ارتفاع حالات سوء التغذية في الشمال السوري وخاصة للأطفال مشكلة كبيرة للقطاع الطبي، حيث تستقبل المراكز الصحية في المنطقة عدداً كبيراً من الحالات يومياً، غالبية الأطفال المصابين هم نازحين من سكان المخيمات، يواجهون ظروفاً معيشية صعبة في ظل الغلاء الفاحش وانخفاض مستوى الدخل.

 

لاحظت أخصائية التغذية “نسرين مناع” من خلال عملها كمشرفة عمال صحة مجتمعية في مركز صحي بإدلب، أن هناك ارتفاع في حالات الإصابة بسوء التغذية في مدينة إدلب، وقالت في حديث خاص لمنصة SY24: إن “حالات سوء التغذية تحدث عندما لا يحصل الجسم على المواد الغذائية الأساسية التي يحتاجها، كالفيتامينات والبروتينات والمعادن الضرورية لنمو الجسم، وقد يكون بسبب سوء امتصاص المواد الغذائية رغم توفرها”.

أرجعت أخصائية التغذية ارتفاع حالات المرض إلى أسباب اجتماعية كالفقر والنزوح، وأسباب مرضية قد تصيب الجهاز الهضمي، والتهاب الأمعاء وتؤدي إلى فقدان الشهية وعدم تقبل الجسم الحصص الغذائية اللازمة له.

وأضافت “مناع”، أن الطفل المصاب بسوء تغذية هو عرضة للإصابة بالأمراض المعدية أكثر من الطفل السليم، ويصاب بفقر الدم وضعف في بنية العظام وسوء الهضم.

ويقسم مرض سوء التغذية إلى مرحلتين سوء تغذية حاد شديد لونه أحمر على شريط “المواك” وهو مقياس خاص لمعرفة درجة المرض بثلاث ألوان حاد ومتوسط وطبيعي، المرحلة الثانية سوء تغذية حاد متوسط، بلونه أصفر على الشريط والأخضر هو المرحلة الطبيعية.

تقول “مناع”: إن “المراكز الصحية تقدم علاجا مناسباً لكل مرحلة عن طريق تزويد الأم والطفل بالمكملات الغذائية المناسبة بشكل دوري إلى أن يصل لمرحلة التحسن”.

يعيش “محمد حسين” وعائلته على المواد التي يحصل عليها من السلة الشهرية في أحد المخيمات بمنطقة “دير حسان”، بعد إصابته بشظية أقعدته عن العمل، وألزمته الفراش.

يقول لنا: “لدي ثلاثة أطفال، لا يحصلون على الغذاء الضروري لنموهم، فوجباتنا الغذائية لا تتجاوز محتوى المعونة، كالأرز والبرغل والمعكرونة، فيما يحتاج الطفل إلى اللحم والحليب والبيض وهي مواد استغنيت عنها منذ نزوحنا من ريف حمص قبل سنوات”.

أصيب طفلين من أولاد “محمد” بمرض سوء التغذية، ووصلا لمرحلة خطيرة حسب قوله، نقلا إلى مركز صحي لتلقي العلاج بعدما ساءت حالتهما.

يؤكد “محمد”، أن “هناك حملات من عدة فرق ومنظمات إنسانية تزور المخيم كل فترة، تعمل على مسح حالات سوء التغذية عند الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، وتقديم المشورة والتوعية عن أهمية التغذية السليمة للأم والطفل، غير أن وضع الأمهات في المخيم لا يحتاج إلى توعية بقدر ما يحتاج إلى مساعدة فعلية”.

في 2019 قدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، في تقريرها الخاص بالأمن الغذائي وجود 19 ألف طفل سوري تحت سن الخامسة، مهددين بالموت من سوء التغذية في سوريا.

وبحسب التقرير، فإن 4.7 مليون طفل وامرأة حامل ومرضع، معرضون لخطر سوء التغذية وبحاجة إلى الرعاية العلاجية والخدمات الغذائية، وحوالي 92 ألفًا من الأطفال الذين هم تحت سن الخامسة في خطر معاناة سوء التغذية الحاد.