فقدان حليب الأطفال في سوريا.. مسؤولية من؟؟

تبحث “سناء” بلهفة في عدة صيدليات بمنطقتها دير حسان شمال إدلب عن علبة حليب “ميديالاك” لطفلتها “حلا” ذات الأشهر الثلاثة، غير أن معظم الصيدليات تشكو فقدان علب الحليب من على رفوفها منذ أسبوعين تقريباً.

تقول سناء والقهر يطغى على نبرة صوتها :”معقول نقطع نقطة الحليب عن أطفالنا..”

ثم تكمل، “أبحث منذ خمسة أيام عن عبوات الحليب، أياً كان نوعه، مع أن ابنتي لا يناسبها إلا نوع محدد، مع ذلك لم أجد حتى البديل أو الأرخص ثمناً إلى أن وعدني أحد أقاربي بإحضار علبتين من مدينة إدلب غداً بعد بحثه في عدة صيدليات”.

تقول سناء” غالباً ما يتجاوز الأهل عن سعر مادة الحليب مهما ارتفع، فالأهم هو توفره في جميع الأوقات، لأن الحليب مادة ضرورية للأطفال وليست رفاهية قد نستغني عنها، ولاسيما لحديثي الولادة حيث لابديل عن الحليب، ولا يمكن إدخال الطعام أو أصناف أخرى للطفل قبل الستة أشهر”.

من أحد الصيدليات بـ “دير حسان” يخبرنا الصيدلاني “مالك الطويل” في حديثه إلى منصة SY24 أن :”علب الحليب مفقودة منذ حوالي 15 يوماً ولم توزع على معظم الصيدليات هنا والسبب انقطاعه من المصدر”.

ويؤكد أن مادة حليب الأطفال تتعرض كثيراً لانقطاع من المصدر دون أن يكون السبب واضح أو معلوم، كما أن الأهالي تلوم الصيدلاني وتصل بعض الأحيان إلى اتهامه بإخفاء علب الحليب لرفع سعرها إلا أن هذا الأمر غير صحيح حسب قوله.

يستبعد “الطويل” أن يكون سبب الفقد هو الاحتكار بهدف رفع السعر، لأن أسعار مادة الحليب ثابتة بتسعيرة الدولار وهي تتراوح من 3.2  الى 4.5 دولار تقريباً ضمن نشرة أسعار خاصة تصدرها وزارة الصحة في إدلب.

تكرر المعاناة في معظم المحافظات السورية، ففي قدسيا بريف دمشق أمضت السيدة “وصال” أكثر من أسبوع تبحث في جميع الصيدليات عن علبة حليب “نان” واحد، يناسب طفلها الذي أتم أربعين يوماً من عمره، تقول لنا بغصة “طفلي مريض، ولا يناسبه سوى هذا النوع من الحليب وهو معروف عالمياً، وكلما فقد أكاد أجن وأنا أبحث عنه، ولا أدع صيدلية قريبة أو بعيدة إلا أسأل فيها، وفي كل مرة أجده بسعر مختلف”.

تختلف أسعار علب مادة حليب الأطفال في دمشق بين صيدلية وأخرى، وكلما كانت مفقودة كان سعرها أكثر حسب ما قالته” “وصال”  التي اشترت العلبة آخر مرة ب 18 ألف، في حين أن سعرها يتراوح بين 12 _15 ألف ليرة سورية وهي تكفي لأربعة أيام كحد أقصى.

تعد أسعار مادة الحليب مرهقة على كثير من الأهالي ذات الدخل المحدود، وقد تبلغ تكلفة عبوات الحليب لمدة شهر راتب موظف حكومي، الأمر الذي يجعل عدداً كبيراً من الأمهات يجبرن على إدخال الطعام في عمر مبكر، أو إعطاء الرضيع ماء الأرز أو النشاء أو التمر بدل الحليب في حال فقدانها أو عدم القدرة على شرائها.

بينما لجأت “انتصار” وهي أم لخمسة أطفال اصغرهم بعمر سبعة أشهر، مقيمة في منطقة وادي بردى بريف دمشق، إلى إعطاء طفلتها حليب الماعز بعد تخفيفه بالماء حسب نصيحة جارتها، لعدم توفر ثمن علبة الحليب، أو التخلص من فقدانه بين الحين والآخر.

تقول “انتصار” في حديثها إلينا :”لا قدرة لزوجي على شراء الحليب بشكل دائم، خاصة أن الطفل لم يرضع مني أبداً، و اضطرينا إلى الحليب الصناعي، لكن لا يتوفر ثمنه دوماً كما أنه ينقطع من الصيدليات أغلب الأوقات”.

تضيف انتصار أن “طفلها تعرض في البداية إلى التهابات معوية، فحليب الماعز ثقيل عليه لكن بعد فترة اعتاد عليه وتحسنت صحته”.

غير أن طبيب الأطفال” أحمد حمدان” قد نبه إلى خطر هذه الحلول التي تصنعها الأمهات والتي تسبب التهابات معوية  خاصة للأطفال الرضع قبل الستة أشهر، يقول في حديثه مع منصةSY24، إن “معدة الطفل الرضيع في الأشهر الستة الأولى، غير مهيئة لاستقبال أي نوع من الطعام كوجبة النشا أو الماء والسكر أو الأرز وحتى حليب البقر أو الماعز، وبالتالي يتعرض الطفل لعدة أمراض كالتلبكات المعوية والاسهال والتقيؤ والنفخة وتطبل البطن”.

وأكد الطبيب “حمدان” على ضرورة توفير الحليب الصناعي المناسب للطفل الرضيع والابتعاد عن إعطائه  أي منتجات قبل إتمام الستة أشهر، وهو يدرك تماماً أن الفقر أجبر الأمهات على  إدخال أطعمة غير مناسبة للرضيع، مشيراً أن أكثر من ربع الحالات المرضية التي تزوره في عيادته، تعاني سوء تغذية حاد، وفشل في النمو ونقص التغذية.